تجمدت الحركة في الصالة وكأن الزمن توقف تمامًا. صوت الملاعق وهي توضع على السفرة كان آخر ما سُمع قبل أن يحل صمت ثقيل، لدرجة أن صوت أنفاس “ماسة” المتعبة من السفر كان مسموعًا. “مشيرة” كانت تمسك بطبق كبير من الأرز المحمر، يداها لولا تمسكها الشديد بالصينلية لارتجفتا وسقط كل ما عليهما. نظرت إليّ، ثم إلى يدي التي كانت تطوق وسط “ماسة”، ثم إلى بطن “ماسة” البارز قليلًا بفعل الحمل. في تلك الثواني، رأيت في عيني مشيرة رحلة السنوات الماضية كلها؛ رأيت التعب، والشقاء، والظهر المنحني في خدمة أمي، والوعود التي قطعتها لها بأن الغربة ستنتهي وسنلتقي.
أمي حاولت كسر الصمت بسرعة، فتقدمت بخطوات واسعة وضحكة مصطنعة قائلة: “يا مرحب يا مرحب! نورتي بيتك يا ماسة يا بنتي، ألف مبروك يا حبيبتي، تعالي ارتاحي من السفر.” تحركت أمي لتأخذ ماسة من يدي، وفي تلك اللحظة، تحركت مشيرة. لم تصرخ، ولم تبكِ، ولم تفتعل مشاجرة كما كنت أخشى. بل وضعت الطبق بهدوء شديد على طرف السفرة، مسحت يديها في مريلة مطبخها ببطء شديد، ونظرت إليّ نظرة واحدة… نظرة لم أرَ فيها عتابًا، بل رأيت فيها شيئًا أرعبني أكثر: رأيت فيها استغناءً تامًا.
التفتت مشيرة وخرجت من الصالة متجهة إلى الغرفة الداخلية. حاولت أن أتحرك خلفها، لكن يد ماسة تمسكت بقميصي قائلة بتوجس: “أحمد… مين دي؟ ومين مشيرة اللي مامتك قالت إنها مش هتغضب؟ أنت مش قلت لي إنك مطلقها من زمان ومبتجيش هنا؟” وقعت الكلمة كالصـ,ـاعقة على مسامع أمي التي نظرت إليّ بصدمة، فأنا لم أخبر ماسة بالحقيقة كاملة، بل أفهمتها أن مشيرة صفحة وانطوت من حياتي تمامًا وأنها تعيش عند أهلها.
وقع الفأس في الرأس، وانكشفت خيوط اللعبة كلها في دقيقة واحدة. أمي تحاول تهدئة ماسة خوفًا على الجنين، وماسة بدأت علامات الغضـ,ـب والشك تظهر على وجهها، وأنا عيني معلقة بالباب الذي دخلت منه مشيرة. تركتهم في الصالة ودخلت خلف مشيرة. وجدتها تجمع ملابسها البسيطة في حقيبة قماشية قديمة. كانت يداها ترتجفان الآن، ودموعها تسيل بصمت شديد دون أي نحيب. دنت منها وقلت بصوت خفيض: “مشيرة… أنا.. أنا هفهمك، الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة، أمي هي اللي…”
قاطعتني دون أن تنظر إليّ، وصوتها كان حادًا كالشفرة رغم انخفاضه: “أمك؟ أمك اللي خلتني أصحى من الفجر عشان أعمل محاشي وبط لضرتي؟ أمك اللي كانت بتقولي يا بنتي وعوضي في الدنيا وهي بتخطط تكسرني الكسرة دي؟ ولا أنت… أنت اللي كنت بتقرف تلمسني وتقولي ضهرك وجعك ومش قادر أشوفك تعبانة؟” التفتت إليّ وكانت عيناها حمراوين من شدة القهر: “أنا ضهري انحنى في خدمة أهلك عشان بوفر عليك ثمن الشغالة اللي تجيبها لست الهوانم الجديدة! أنا وشي دبل لأني مكنتش بشوف الشمس برة البيت ده!”
حاولت الإمساك بامتعتها لأمنعها، لكنها نفضت يدي بقوة لم أعهدها فيها من قبل. خرجت إلى الصالة بحقيبتها، كانت ماسة واقفة وعلامات الذهول والنفور تملأ وجهها وهي تنظر إليّ وإلى أمي. نظرت مشيرة إلى ماسة وقالت بهدوء مخيف: “مبروك عليكِ يا عروسة، ومبروك عليكِ الحمل. بس نصيحة.. حافظي على صحتك، عشان هنا الصحة لو راحت، بيجيبوا بديل فورًا.” خرجت مشيرة من الباب، ولم تستطع أمي أو أبي الذي كان يجلس صامتًا في الزاوية منعها.
مرت الأيام بعد ذلك اليوم العاصف ثقيلة وكئيبة. ماسة رفضت البقاء في بيت أهلك، وأجبرتني على العودة فورًا إلى المحافظة التي نعمل بها. انقلبت حياتنا “الورديّة” إلى جحيم من الشك. لم تعد ماسة تثق في أي كلمة أقولها، وبدأت تدرك أنني شخص قادر على الخداع لسنوات، فكيف تأمن لي؟ اختفت الرومانسية وحلت مكانها التحقيقات اليومية والمشاحنات، وزاد تعب حملها فصارت كثيرة الشكوى، ووجدت نفسي فجأة محاصرًا بطلباتها وضغوطها التي لا تنتهي، دون أن أجد الراحة التي كنت أهرب إليها.
أما في البلد، فقد ذهبت مشيرة إلى بيت أهلها. حاولت الاتصال بها مرارًا وتكرارًا لكنها حظرت رقمي. أرسلت أعمامي وبعض كبار العائلات لردها، لكن رد والدها كان قاطعًا: “بنتنا دخلت بيتكم معززة، وخرجت منه مخـ,ـدوعة ومقهـ,ـورة. الطـ,ـلاق هو الحل الوحيد، وحقوقها كاملة هتوصل لنا، وإلا المحاكم بيننا.” بعد ستة أشهر، وضعت ماسة طفلنا الأول. في المستشفى، وأنا أحمل ابني بين يدي، نظرت إلى ماسة التي كانت تبدو شاحبة ومتعبة للغاية من الولادة، وتذكرت فجأة مشيرة. تذكرت كيف تركتها وحيدة تواجه تعبها. شعرت بوزن الذنب يضغط على صدري.
في نفس الأسبوع، تلقيت اتصالاً من محامي مشيرة لإتمام إجراءات الطلاق إما وديًا أو قضائيًا. علمت من أحد الأصدقاء المشتركين أن مشيرة تماثلت للشفاء، وبدأت تأخذ دورات تدريبية وتعمل في مشغل للملابس، وأنها استعادت نضارتها وصحتها بعد أن تخلصت من هم الخدمة وضغط القهر.
جلست في شقتي الجديدة، ماسة نائمة والطفل يبكي، والمسؤوليات تثقل كاهلي من كل اتجاه. نظرت إلى قسيمة الطلاق التي أرسلها المحامي لأوقع عليها، وأدركت حينها فقط أنني لم أضع مشيرة أمام الأمر الواقع… بل وضعت نفسي أمام حقيقتي العـ,ـارية: أنني خسرت امرأة صانتني في غيابي، وكسبت حياة جديدة مبنية على الخوف والشك، وأن “الأمر الواقع” الوحيد الآن هو أنني سأعيش بقية حياتي تلاحقني نظرة الصدمة في عيني مشيرة وهي تقف وسط الصالة.

