منوعات

حفيدة الحارجي

في الجامعة، مهران دخل معاها لحد باب المدرج.. كل البنات بيبصوا عليه. الطول الهيبة، البدلة الكحلي الكلاسيك المفتوحة من غير كرافتة، ونظارته الشمس اللي قلعها أول ما دخل. الحركة دي خ.طفت الأنظار، وزينب كانت واقفة جنبه حاسة إنها عايزة تختفي من كتر الكسوف. وقف مهران التفت ليها وبص في عينها بثقة: “السواق اسمه عم مصطفى، هيكون مستنيكي برة قبل ما تخلصي بنص ساعة. رقمي معاكي.. لو أي حد ضايقك أو لمحتي نظرة مش عاجباكي، كلميني فوراً.”

زينب هزت راسها بسرعة وهي بتبص للأرض: “حاضر.. شكراً يا مهران.” مهران سابها ومشي، وخطوات جزمته الإيطالي كان ليها رنين في الممر. زينب أخدت نفس عميق ودخلت المدرج. أول ما قعدت، لفت قريبتها أو زميلتها في البنج اللي جنبها وقالت بنبرة فيها فضول قا.تل: ” يخرب بيتك يا زينب! مين الموز اللي كان معاكي ده؟ ده ركب عربية مرسيدس برة تسوى ملايين! إنتي لقتي الفانوس السحري ولا إيه؟” زينب ارتبكت ومحبتش تقول إنها بنت الجارحي عشان متعملش شوشرة:

“ده.. ده يقربلي من بعيد. ركزي في المحاضرة يا منى عشان الدكتور دخل.” في مكتب مهران – شركة الجارحي للمقاولات مهران كان قاعد ورا مكتبه الأبنوس الكبير، بيمضي أوراق، لكن باله مش في الشغل. فجأة الباب اتفتح ودخلت أسيل من غير ما تخبط. كانت ريحة برفيومها الحاد تسبقها، ولابسة فستان شيك جداً. قعدت على الكرسي اللي قدامه وحطت رجل على رجل: “مهران.. إيه حكاية بنت فايزة دي؟ جدو قالب البيت عشانها، والخدم شغالين زي النحل في أوضتها.. هي هتقعد معانا علطول يعني؟”

مهران مرفعش عينه من الأوراق وقال ببرود: “دي بنت عمتي، وده بيتها زي ما هو بيتك بالظبط يا أسيل. وجدي أمر بكده.. عندك اعتراض؟” أسيل لوت بوزها بضيق: “معنديش اعتراض على أوامر جدو.. بس البنت شكلها ‘بيئة’ أوي يا مهران! شوفت شكل شنطتها القماش؟ ولا جزمتها؟ دي بكره لما تقعد معانا على السفرة وتشوف صحابنا اللي بيجوا الفيلا هتعملنا فضيحة!” مهران حط القلم بعنف على المكتب وبصلها بنظرة حادة خلتها تبلع ريقها:

“زينب بنت الجارحي. دمها من دمنا. وبساطتها دي لأنها عاشت مظلومة بسبب العناد بتاع زمان. كلمة تانية في حقها يا أسيل، هنسى إنك بنت عمي.. مفهوم؟” أسيل قامت بغيظ، وقالت وهي بتعدل شنطتها: “ماشي يا مهران.. هنشوف الست زينب هتعمل إيه في قصر الجارحي.” وخرجت ورزعت الباب وراها. بعد مرور أسبوعين.. “المواجهة الأولى” الجد الجارحي الكبير قرر يعمل عزومة عائلية كبيرة بمناسبة رجوع زينب، وعزم فيها كبار رجال الأعمال وأقاربهم.

كريمة (مرات عم مهران) كانت ست طيبة جداً، أخدت زينب قبل العزومة بيومين على مول كبير في مصر الجديدة، واشترتلها فساتين وشنط تليق بـ “بنت الجارحي”. يوم الحفلة.. الفيلا كانت متزينة بإضاءة مبهرة، والجنينة مليانة ناس وشخصيات مهمة. زينب كانت واقفة فوق في أوضتها، بتبص في المراية ومش مصدقة. كانت لابسة فستان ستان أسود سمبل جداً ومقفول، وراسم كحل خفيف برز جمال عيونها الشرطية الواسعة، ولمت شعرها الأسود الطويل لورا.

نزلت السلم بهدوء. في اللحظة دي، مهران كان واقف تحت بيتكلم مع رجل أعمال. عينه جت عليها وهي نازلة.. رجله اتسمرت في الأرض ومقدرش يشيل عينه عنها. البنت “الغلوانة” اللي كانت بتفرك إيدها في العربية، بقت زي الأميرات. الجد شافها، ابتسم وفرد دراعه ليها: “تعالي يا زينب.. تعالي جمب جدك.” زينب راحت وقفت جنبه، والجد بدأ يعرف الناس عليها: “دي زينب.. حفيدتي الغالية، بنت بنتي فايزة الله يرحمها.” الكل بدأ يبارك ويرحب، لكن أسيل مكنتش هتسيب اللحظة دي تعدي. كانت واقفة مع شلة من صحابها “الهاي كلاس”، وقربت من زينب وفي إيدها كاس عصير.

أسيل بابتسامة صفرا وصوت عالي نسبياً عشان الكل يسمع: “منورة يا زوزو.. بجد الفستان يجنن، لايق جداً على بنات الحارة.. بس قوليلي، لسة بتفتكري شكل الشقة الإيجار القديم والتوك توك؟ ولا خلاص نسيتي أصلك؟” المكان كله سكت. الناس بدأت تبص لبعضها وتهيمس. زينب وشها بقى أحمر وعينها اتملت دموع، وحست بالإهانة وسط كل القامات دي. قبل ما زينب ترد أو تعيط، خطوة سريعة وقوية قربت. مهران وقف بين أسيل وزينب، وبص لأسيل بنظرة مرعبة، وقال بصوت جهوري هز القاعة:

“الأصل اللي بتتكلمي عنه يا أسيل، هو نفس الأصل اللي مخليكي عايشة في الفيلا دي من 5 سنين على حساب جدي بعد ما أبوكي سابك وسافر. وزينب مش محتاجة تفتكر الحارة، لأن من النهاردة.. نص شركات الجارحي والفيلا دي بقوا باسمها.. بقرار من جدي ومني!” الكل شهق من المفاجأة، وأسيل وشها جاب ألوان من الكسوف والإحراج، وصحابها بدأوا ينسحبوا من حواليها. الجد هز راسه بالموافقة على كلام مهران وقال: “مهران بيتكلم صح. حق أمها رجعلها.”

في الجنينة الخلفية (بعد الحفلة) زينب كانت واقفة لوحدها بتبكي من التوتر والكسوف، لكن دموعها المرة دي كانت دموع راحة. مهران قرب منها بالراحة، وحط جاكت بدلته على كتفها لأن الجو كان سكت شوية. زينب بصتله وهي بتمسح دموعها: “ليه عملت كده يا مهران؟ ليه قولت إن الشركات باسمي؟ أنا مش عايزة فلوس.. أنا بس كنت خايفة.” مهران قرب منها خطوة، وبصلها بنظرة أول مرة تشوفها فيه.. نظرة حنينة جداً ومفيهاش أي حدة:

“عملت كده عشان مفيش مخلوق على الأرض دي يقلل منك طول ما أنا عايش يا زينب. إنتي مش لوحدك.. أنا هنا.” زينب ض.ربات قلبها السريعة مكنتش بسبب الخوف المرة دي.. كانت بسبب نظرة مهران اللي غيرت كل حاجة في حياتها من اللحظة دي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى