💔”مالك يا وردة يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه كده؟ حد عملك حاجة في الجامعة؟” “أدهم كان محتار وحاسس انه لو معملش الخطوة دي وساب نسرين دلوقتي، هيضر سمعتها في الجامعة كلها” وهي بنت وملهاش ذنب في اللي حصل. أدهم هز راسه بالموافقة وهو ساكت، قال للعميد: “حاضر يا دكتور.. اللي تشوفه” وخرج من مكتب العميد وهو حاسس ان الدنيا بتلف بيه، نسرين فضلت جوة مع أبوها فرحانة. أدهم أول ما خرج طلع تليفونه بسرعة ودور على وردة في كل مكان في الجامعة مش لاقيها، رن عليها مرة واتنين وعشرة.. مش بترد، التليفون بيرن ويفصل.
راح بسرعة على ولاء صاحبتها وهي واقفة في الطرقة، وقال بلهفة: “ولاء.. وردة فين؟ شفتي وردة؟” ولاء بصت له بضيق وقالت: “وردة مشيت.. مشيت بعد إعلان خطوبة حضرتك على طول وهي بتعيط.. سابت الجامعة ومشيت” أدهم اتعصب أكتر ووشه بقى أحمر، ضرب الحيطة بإيده بغضب وقال: “يا غبية” ولاء اتخضت منه، أدهم وقف مكانه مش عارف هيخرج من المصيبة دي ازاي، لا عارف يرضي العميد ولا عارف يسيب سمعة نسرين تتدمر، ولا عارف يلحق وردة اللي مش بترد عليه.
وردة رجعت البيت وهي منهارة، فتحت الباب ودخلت تجري على أوضتها وهي بتعيط بصوت عالي. مامتها اتخضت وجريت وراها دخلت أوضتها لقتها رامية نفسها على السرير وبتعيط بحرقة. مامتها قعدت جنبها وطبطبت عليها وقالت بخضة: “مالك يا وردة يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه كده؟ حد عملك حاجة في الجامعة؟” وردة وهي بتعيط وشهقاتها مش مخلياها عارفة تتكلم قالت: “مش عايزة اروح الجامعة تاني.. مش هروح الجامعة تاني ابدا.. انا عايزة اسيب البيت واسافر عند خالتي في امريكا.. انا بكره هنا”
والدتها بقت مش فاهمة سبب انهيارها ايه، حست ان الموضوع أكبر من جامعة”. لم تستطع الأم تحمّل رؤية ابنتها تنهار بهذه الطريقة. ضمّتها بكل قوتها، ومسحت على شعرها المبلل بدموعها، وصوت شهقات وردة يمزق هدوء الغرفة. “أمريكا إيه بس يا حبيبتي اهدي وركزي معايا!” قالت الأم بصوت يرتجف خوفاً، “مين اللي زعلِك للدرجة دي؟ أدهم؟ أدهم عمل إيه يا وردة؟ اتكلمي يا بنتي خضيتيني عليكِ!”
رفعت وردة رأسها بالعافية، عيونها المنتفخة ووجنتاها المحمرتان تحكيان حجم الخيبة. وقالت بصوت متقطع: “أدهم خلاص يا ماما.. أدهم أعلن خطوبته على نسرين بنت العميد! قدام الجامعة كلها.. قدام زمايلي ونفسي.. كأن كل اللي بيننا كان كدبة، كأني مكنتش موجودة في حياته أساساً!”
ساد الصمت الغرفة لحظة، وكأن الهواء سُحب منها. الأم الشاهدة على نظرات أدهم لوردة وعلى اهتمامه اللامحدود بها، صُدمت لم تتخيل يوماً أن يكسرها بهذا الشكل. شدتها لصدها مجدداً وقالت بنبرة حادة غاضبة: “يا حبيبتي يا بنتي.. معقولة؟ بالسرعة دي؟ اللي يبيع بالشكل ده ما يسواش دمعة واحدة من عينيكِ! بكرة يندم، والجامعة دي لو مش عايزاها هنشوف لكِ نقل، بس بلاش كلام السفر والهروب ده يا وردة.” “مش قادرة أتنفس هنا يا ماما.. مش قادرة أستوعب إن الشخص اللي وثقت فيه يرخصني كدة.”
في تلك الأثناء، أمام بناية وردة، كانت فرامل سيارة أدهم تصدر صفيراً حاداً. قفز منها ووجهه يشتعل غضباً وحيرة، قماش أكمامه ملوث بقليل من الدماء أثر ضربه للحيطة في الجامعة. مسك هاتفه وأعاد الاتصال للمرة الخمسين.. لا رد. نظر إلى نافذة غرفتها المضاءة في الدور الثالث. كان قلبه ينبض بجنون، يرغب في الصعود، في دك الباب، في أن يصرخ بعلو صوته ليخبر الجميع أنه مجبر، وأن نسرين ورّطته في موقف أخلاقي لعين داخل مكتب والدها العميد، حيث كان الاختيار بين فضح مسار نسرين المتردي وسُمعتها أمام الكلية كاملة وبين إعلان خطوبة صورية تنقذ موقفاً معقداً لم يكن له فيه يد.
لكن.. كيف يشرح كل هذا الآن؟ وكيف تصدقه وردة بعد أن سمعت الخبر من القيل والقال في الطرقات؟ وقف أدهم في الشارع، مسك رأسه بيديه وقال بصوت خافت خنقه البكاء: “والله مظلوم يا وردة.. والله العظيم مظلوم وما حبيت ولا هحب غيرك.. بس افهميني الأول!” فجأة، لمحت عيناه حركة عند مدخل البناية. شقيق وردة الأكبر، “تامر”، كان قادماً من عمله ومعه بعض الأغراض. رأى أدهم يقف بتلك الحالة المزرية أمام العمارة.
اقترب تامر باستغراب: “أدهم؟ أهلاً يا صاحب.. واقف كده ليه تحت العمارة وشكلك عامل كده ليه؟ إيدك مالها؟” أدهم ارتبك، مسح وجهه بسرعة وحاول الاستدراك: “تامر.. أهلاً.. أنا.. أنا كنت مستني أو كاتب حاجة لـ… أنا عايز أكلم وردة ضروري يا تامر، أرجوك خلّيها تنزل أو انزلي معاها.” تامر لاحظ التوتر والنبرة الغريبة، ونظر لإصابة أدهم: “في إيه يا أدهم؟ وردة جوة ومامتي بتقول إنها رجعت بتعيط ومش راضية تتكلم.. هو في حاجة حصلت في الجامعة؟ أنت ليك علاقة بدموعها دي؟”
قبض أدهم على يديه المدماتين، وقال بصوت متوسل: “تامر، أنت صاحبي وتفهم.. الموضوع معقد وفي سوء فهم قاتل، لو مكلمتش وردة حالاً كل حاجة بتهدم.” في هذه اللحظة، ظهرت ولاء، صديقة وردة، وهي تترجل من سيارة أجرة عند أول الشارع. كانت قد ركبت خلفه فوراً لتعرف أين ذهب ولتحمي صديقتها. اقتربت ولاء بنظرات نارية وقالت بصوت عالٍ أسمع الجيران: “يقنعها بإيه يا أجهزة؟ يوضح لها إيه؟! يوضح لها إنه خطب بنت العميد النهاردة في الكلية وكسر قلبها قدام الدفعة كلها؟!”
سقطت الأغراض من يد تامر. اتسعت حدقتا عينيه وهو ينظر لأدهم بذهول ثم بغضب مكتوم: “إيه الكلام ده؟ خطبت مين؟!” اقترب تامر خطوة من أدهم وقبض على ياقة قميصه: “أنت جاي تلعب بخت أختي؟ جاي تعمل بطل ورومانتيكي وتخطب بنت العميد في نفس اليوم؟! انقلب جنونك ده وامشي من هنا قبل ما أتغابى عليك يا أدهم!” “تامر افهمني! نسرين عملت مصيبة والعميد ضغط عليا وسُمعة بنت كانت هتتدمر! الموضوع مجرد مسرحية لمُدة أسبوع لحد ما…” صرخ أدهم محاولاً الدفاع عن نفسه.
قاطعه تامر بضربة دفعته للخلف: “مسرحية على حساب أختي؟! سُمعة بنت الناس تهمك وسُمعة أختي وقلبها ما يهموكش؟! برة الشارع يا أدهم! برة!” ارتفع الصوت في الشارع، وبدأت الجيران تطل من الشرفات. فوق في الشقة، سمعت الأم ووردة الصياح. رفعت وردة رأسها، وعرفت الصوت.. إنه صوت أدهم وتامر! هرعت وردة إلى الشرفة رغم ضعفها، ونظرت لأسفل. رأت أدهم يترجى شقيقها وعيناه معلقتان بالأعلى، ورأت الدماء على يده والمشادة التي تكاد تتحول لشجار بالأيدي.
تلاقت أعينهما لحظة واحدة. عين أدهم كانت تترجى الرحمة والفهم، وعين وردة كانت مليئة بالخذلان والوجع. أومأت له وردة برأسها نادبة، ثم أغلقت شيش الشرفة بقوة وصوت حاد، وأطفأت نور غرفتها. كانت تلك الإشارة كافية لق.تل آخر أمل عند أدهم في تلك الليلة. وقف أدهم ينظر للشباك المظلم، بينما تامر يدفعه بعيداً عن العمارة: “مش عايز أشوف وشك هنا تاني.. ولا في طريق وردة! فاهم؟!”
ركب أدهم سيارته وغادر الشارع ببطء شديد، وهو يشعر بالهزيمة الشاملة. لم يكن يكره أحداً في هذه اللحظة قدر كرهه لـ “نسرين” ولوالدها العميد، ولضعفه الذي جعله يوافق على تقمص دور المنقذ لسُمعة فتاة لا تهمه، على حساب الفتاة التي يمتلك قلبها.
