منوعات

احتفال عيد جوازي

أشرتُ بيدي لشريف رمزي ليأتيني بالميكروفون. التقطته بهدوء وثبات، ووجهت نظراتي أولًا إلى طارق الذي بدا كأن روحه سُحبت منه، ثم إلى نادية التي كانت تحاول الاختباء وراء فستانها الأحمر الذي بدا الآن كأنه ك.فن لطموحاتها. الانهيار الكبير: الأقنعة تسقط بالكامل وضعتُ يدي في جيب فستاني الأسود، وبنبرة باردة هزت أركان القاعة، قلت عبر الميكروفون: “يا خسارة يا نادية.. كنت فاكراكي أذكى من كده. بعتي أختك، وخنتي بيتي، وفي الآخر طلعتي مجرد كدبة كبيرة.. كدبة حتى طارق اللي بعتيني علشانه ميعرفهاش.”

التفت الرجل القادم من الباب الخلفي—الذي لم يكن سوى (حسن)، زوج نادية الأول الذي أشاعت أنه مات—وتقدم بالطفلة الصغيرة حتى وقف في منتصف القاعة. نظر إلى طارق وقال بسخرية مريرة: “مبروك عليك يا طارق بيه.. اللي معاك في بطنها دي مش ابنك، لأن نادية كانت معايا في شقتي في الإسكندرية من شهرين بس، وقت ما كنت فاهم إنها مسافرة لـ ‘شغل تبع العيلة’. نادية هربت وسبتلي البنت دي عشان تدور على مغفل يدفع ديونها، وملقتش أسهل منك!”

طارق شعر وكأن الأرض تميد به. تراجع خطوات، ونظر إلى نادية بذهول مشوب بالغل، ثم صرخ بأعلى صوته: “إنتِ؟! إنتِ تعملي فيا أنا كده؟! ده أنا خسرت لمياء وخسرت دنيتي عشانك! يا غشاشة!” حاولت نادية أن تتحدث، أن تصرخ، أن تنكر، لكن صوت حسن وتسجيلات شريف رمزي كانت أقوى من أي إنكار. التفتت إلى أمي تستنجد بها، لكن أمي كانت في عالم آخر.. عالم انهار فيه كل شيء. مواجهة الأم: طعنة في الظهر

التفتُّ بكامل جسدي نحو أمي. كانت الدموع تسيل على وجهها، لكنها لم تعد تحرك فيّ ساكنًا. نظرت إليها وقلت بصوت مسموع للجميع: “ليه يا أمي؟ عشر سنين وأنا بمو.ت بالبطيء. عشر سنين وأنا بنام ود.موعي على خدي عشان حاسة إني ‘ناقصة’.. عشان حاسة إني حرمت الراجل اللي بحبه من الضنا. عشر سنين وإنتِ بتفكريني في كل ليد وكل مناسبة إني لازم استحمل وأوطي راسي عشان طارق ‘مستحملني’.. وفي الآخر تطلعي إنتِ وطارق متفقين عليا؟!”

سقطت أمي على ركبتيها، وحاولت الإمساك بطرف فستاني وهي تبكي بنحيب: “يا لمياء يا بنتي.. والله كان غرضي أستر عليكي.. طارق كان شاري ومبسوط، وخفت لو عرفتي الحقيقة تطلبي الطلاق وتعيشي لوحدك.. المجتمع مبرحمش المطلقة يا بنتي!” ضحكتُ ضحكة قهر سمعها كل من في القاعة، وقلت لها: “المجتمع مبرحمش؟ طب والام اللي بتدفن بنتها صاحية عشان ‘كلام الناس’، دي يرحمها ربنا إزاي؟ إنتِ مكنش غرضك تستريني يا أمي.. إنتِ كان غرضك تداري على طارق عشان قرشين وشغل بابا اللي كان ماشي معاه. إنتِ بعتيني.. وبأرخص تمن.”

الفصل الأخير من المسرحية: الخروج العظيم التفتُّ إلى أبي، الذي كان يجلس على الكرسي واضعًا رأسه بين يديه من الخزي والصدمة. لم يكن يعلم شيئًا، كان ضحية أخرى للعبة أمي وطارق. اقتربت منه، قبلت رأسه وقلت له: “سامحني يا بابا.. أنا مكنتش عايزة الليلة دي تنتهي كده، بس كان لازم الورم يتشال من الجذور.” ثم التفتُّ إلى المعازيم الـ 300 الذين تيبسوا في أماكنهم، وقلت بنبرة عسكرية حاسمة، نبرة لمياء التي تعلمت في الجيش أن المعركة لا تنتهي إلا بالنصر الكامل:

“حفل عيد جوازي العاشر انتهى.. بس حفل حريتي لسه بيبدأ. شريف بيه رمزي، المحامي بتاعي برة ومعاه قضية خلع لطارق، وقضية تزوير ونصب لنادية. الباب مفتوح.. وتورتة الفرح مسمومة بالكدب، مفيش داعي حد يدوقها.” مشيتُ بخطوات ثابتة وواثقة نحو باب القاعة. لم أنظر خلفي أبدًا. كنت أسمع خلفي صوت صراخ طارق وهو يته.جم على نادية، ونحيب أمي، وصد.مة العائلة.. لكنني لم أهتم. عندما خرجتُ إلى هواء الليل البارد في الزمالك، تنفستُ بعمق لأول مرة منذ عشر سنوات. خلعتُ حذائي ذو الكعب العالي، وأمسكته بيدي، ومشيت على الرصيف وأنا أبتسم.

لم أكن امرأة مك.سورة؛ كنت محا.ربة خاضت معركة شر.سة، وخرجت منها بقلب جر.يح.. ولكن برأس مرفوعة للسماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى