وقفت في صالة البيت، الموبايل الأسود الصغير بين إيدي، وشاشته بتنور بنور خافت بيعكس السواد اللي ملى قلبي. بصيت على “هبة” وهي نايمة في السرير، هادية وملاك بريء.. ملاك مبيعرفش يمشي الصبح، وبيجري في المطبخ بالليل! دموعي اللي رفضت تنزل في العربية، اتحولت لبرود قاتل. البرود اللي بيخلّي المهندس يحسب أبعاد الجدار قبل ما يهده.
فهمت اللعبة: هبة مكنتش مشلولة، يمكن شُفيت بعد أول سنة من العلاج الطبيعي، والدكتور “ماهر” قرر يشاركها اللعبة عشان يفضلوا يسحبوا من فلوس تعويض شركة التأمين اللي كان بالملايين، ولأن أختها “نورهان” هي اللي بتدير الورق، كانت بتسهل كل حاجة. والشرط الوحيد عشان الفلوس تفضل تنزل، إن الإصابة تكون “مستديمة وعاجزة كلياً”. وأنا؟ أنا كنت الستار، المغفل اللي بيشيل ويحط ويضمن قدام الجهات الرسمية وأهلي وأهلها إنها عاجزة تماماً. رجعت الموبايل مكانه بالملي. وقبل ما النور يطلع، بدأت خطتي.
الخطوة الأولى: شبكة الصياد المهندس لما بيحب يهد عمارة مخالفة، مبيخبطهاش ببلدوزر، بيفخخ أساساتها. أول حاجة عملتها الصبح، إني كلمت صديق عمري “سامح”، وهو محامي شاطر جداً في قضايا النصب والشركات. حكيت له كل حاجة في مكتبه. سامح بص لي بصدمة وقال: “أحمد.. لو أنت مضيت على التوكيلات الجديدة دي زي ما هي، هما هيسحبوا باقي التعويض (حوالي ٢ مليون جنيه) وهيلبّسوك قضية تزوير واختلاس، لأنك أنت الوصي الفعلي والمسؤول عن التقارير الطبية اللي بتقدمها لشركة التأمين!”
سألت ببرود: “والحل؟” ابتسم سامح وقال: “الحل إننا نخليهم يمضوا على حبل المشنقة بإيديهم.” اشتريت كاميرات مراقبة صغيرة جداً على شكل فيش كهرباء وقطع ديكور، وزرعتها في المطبخ، الصالة، وفي الممر اللي الكرسي مبيعرفش يدخل منه. وربطتها كلها بموبايل جديد مشفر. الخطوة الثانية: العرض المسرحي في اليوم التالي، جه دكتور العلاج الطبيعي “ماهر”. كان داخل بابتسامته الصفرا المعتادة: “إزيك يا بشمهندس أحمد.. شد حيلك، المدام بتتحسن بس المحتاجة وقت وصبر.”
طبطبت على كتفه وقلت له: “تعبك مش هيروح ببلّاش يا دكتور ماهر.. أنا مجهز لكم مكافأة كبيرة قريب.” دخلت لـ “هبة” الأوضة، وبست راسها كالعادة، وبدأت أجهزلها الفطار. كنت حاسس بقرف رهيب وأنا بلمس إيدها، بس كنت بضغط على أعصابي. نزلت الشغل في الصالة على لابتوبي، وعملت نفسي مندمج. وبعد ساعة، قلت لهم: “أنا نازل المعمل في المهندسين هجيب خامات وراجع بعد ٣ ساعات.. محتاجة حاجة يا هبة؟” قالت بنبرة مكسورة ومصطنعة: “سلامتك يا حبيبي.. متتأخرش عليا.”
ركبت عربيتي، وركنت على بعد شارعين، وفتحت الموبايل. المشهد على شاشة الموبايل كان يستحق جايزة أوسكار في الانحطاط. بمجرد ما باب الشقة اتقفل، هبة قامت من على السرير، وقفت على رجليها بكل رشاقة، وفكت شعرها وهي بتضحك. “ماهر” ح.ضنها وقال لها: “أخيراً المغفل نزل.. هتمضي على الورق إمتى؟” هبة ردت وهي بتشرب مية من التلاجة: “هخليه يمضي الليلة.. قال تعبان قال! ده عايش في دور البطل المضحّي، هخليه يمضي وبعد ما الفلوس تحول لحساب نورهان، هرفع عليه قضية خلع وأسيبه يلطم.”
كنت بسجل كل ثانية.. بـ جودة 4K وصوت واضح زي الطلقة. الخطوة الثالثة: الصدمة الكبرى في المساء، رجعت البيت. هبة كانت قاعدة على الكرسي، ووجها حزين ومجهد. قالت لي: “أحمد.. نورهان جابت ورق تجديد التوكيل عشان شركة التأمين، لازم تمضي هنا وهنا عشان الفلوس متنقطعش ونعرف نجيب الأدوية.” بصيت للورق. المحامي بتاعي “سامح” كان مجهز لي فخ بديل. شلت الورق بتاعهم، وحطيت مكانه ورق تاني بنفس الشكل والخط، بس البنود جواه كانت مختلفة تماماً.
الورق الجديد كان عبارة عن: “إقرار رسمي من هبة ونورهان بالتنازل عن كامل قيمة التعويض لصالح أحمد كـ (تسوية وتعويض عن أضرار مادية ومعنوية)، بالإضافة لإقرار من هبة باستلام مبالغ مادية سابقة.” مضيت وأنا ببتسم، وقلت لها: “لازم أنتِ ونورهان تمضوا كمان كشهود ومستفيدين عشان الورق يقبل في الشهر العقاري.” مضت هبة وهي بتضحك في سرها، واتصلت بنورهان اللي جت ومضت وهي بتقول لي: “أنت راجل أصيل يا أحمد، هبة ملهاش غيرك.”
يوم الحساب بعدها بيومين، عزمت أهلي (أبويا وأمي) وأهلها (أمها وأختها نورهان). وقلت لهم: “أنا عامل عشا كبير عشان نحتفل بمرور ٣ سنين على صمودنا، وعشان أشكر هبة ونورهان.” الكل جه، والسفرة كانت مليانة. هبة كانت قاعدة على رأس الطاولة بالكرسي المتحرك، ونورهان بتبص لها بنظرات انتصار، فاكرين إن الفلوس بقت في جيبهم. وقفت ورفعت كاست العصير وقلت: “أنا عايز أشكر هبة.. اللي علمتني يعني إيه تمثيل.. وأشكر نورهان اللي أدارت السبوبة ببراعة.. وأشكر الدكتور ماهر اللي بيعالجها بالحب مش بالطب!”
الكل سكت. أمها قالت: “في إيه يا أحمد؟ إيه الكلام ده؟” هبة وشها بدأ يصفر وقالت: “أحمد أنت بتهزر؟” مسكت ريموت الشاشة الكبيرة في الصالة وضغطت زرار. الشاشة نورت.. وظهر فيديو “هبة” وهي واقفة في المطبخ بكامل صحتها، وهي بتح.ضن ماهر، وصوتها وهو بيقول: “ده مبقاش جوزي ده بقى زي الخدام اللي بيشتغل من غير أجر.. هخليه يمضي وبعدها هرفع خلع.” الأوضة بقت زي القبر. مفيش صوت غير صوت الفيديوهات وهي شغالة وبتعرض خيانتهم، ونصبهم، ولعبهم بيا طول سنة كاملة.
أبويا وقف وهو مذهول، وأم هبة حطت إيدها على قلبها وصوتت. نورهان وقفت تزعق: “ده تزوير! أنت مركب الفيديوهات دي!” هبة من كتر الصدمة والرعب، نسيت إنها مشلولة! وقفت على رجليها فجأة وصرخت: “أحمد.. اسمعني بس!!” أول ما وقفت، أبويا شاور عليها وقال: “أنتِ بتوقفي؟! أنتِ مش مشلولة؟! يا ولاد النصابين!” ضحكت بصوت عالي، ضحكة مكسورة بس قوية، وقلت لها: “مبروك المعجزة يا هبة.. رجليكي خفت فجأة أهو!”
طلعت التوكيلات والإقرارات اللي مضوا عليها ورميتها في وش نورهان: “التنازل ده اتصدق عليه في الشهر العقاري الصبح.. المليون جنيه والتعويض كله بقى في حسابي أنا قانوناً.. تعويض عن الـ ٣ سنين اللي نظفتك فيهم وشلتك على إيدي وأنا فاكرك بني آدمة.” بصيت لـ هبة وقلت لها ببرود يرعب: “الخدام استقال يا هبة.. الشقة دي إيجار وأنا لغيت العقد، وصاحب الشقة جاي يستلمها الصبح. ودكتور ماهر اتقبض عليه من ساعتين في عيادته بتهمة تزوير تقارير طبية وتقديم رشاوي لشركة التأمين.. وبلاغ الزنا والنصب بتاعكم أنتِ وأختك هيتقدم للنيابة بكره الصبح بالدليل والفيديوهات.”
أخدت مفاتيح عربيتي الجديدة، وشنطة هدومي اللي كنت مجهزها ورا الباب. بصيت عليهم وهم بياكلوا في بعض، ونورهان بتصرخ في هبة، وأمهم بتلطم، وهبة واقعه على الأرض بتعيط وبتترجاني من غير كرامة. خرجت من الباب، ونسمة الهوا الباردة خبطت في وشي. حسيت لأول مرة من ٣ سنين إني قادر أتنفس.. الخدام مشي.. والمهندس رجع يبني حياته من جديد.
