شطرنج الموتى تراجعتُ خطوة إلى الخلف حتى ارتطمت ركبتي بحافة المكتب الخشبي. البرودة التي سرت في جسدي لم تكن بسبب الطقس، بل كانت برودة الحقيقة العارية التي لطمت وجهي فجأة. “إنت…” خرجت الكلمة من حنجرتي مشروخة، تكاد لا تُسمع. “إنت جيت هنا إزاي؟ ولابس كده إزاي؟ إنت مكنتش في بيت أمي… إنت كنت مستنيني هنا!” ابتسم زوجي، طارق، ابتسامة باهتة لا حياة فيها. خطى خطوة واسعة داخل الغرفة، وتحت ضوء الأباجورة الأصفر، بدت ملامحه الحادة وكأنها تمثال منحوت من حجر صلد. لم يكن هناك أثر للشخص الودود الذي عشت معه ثلاث سنوات.
“أنا عمري ما سبتك يا منى،” قالها وهو يرفع هاتفه الذي كان لا يزال يضيء بالرقم المجهول. “الرسائل اللي كانت بتجيلك… أنا اللي كنت ببعتها من الخط ده. كان لازم تيجي هنا لوحدك. كان لازم تكتشفي السر ده بعيد عن أمك… لأن أمك لو كانت جات معاكي، كانت هتفضل تكدب لحد آخر نفس في عمرها.” “تكذب في إيه؟! وأبويا مين؟! وإنت مين أصلاً؟!” صرختُ والدموع تحرق عيني، وجسدي كله ينتفض كالعصفور المذبوح.
طارق لم يهتز. تقدم نحو المكتب، ومد يده بهدوء ليلتقط الصورة الفوتوغرافية القديمة التي سقطت من يدي. نظر إليها للحظات، ثم قال بصوت خفيض ونبرة حادة كالموس: “الراجل اللي واقف جنب أمك في الصورة ده… يبقى ‘شريف الراوي’. أبوكي الحقيقي. والراجل التاني اللي حاطط إيده على كتفه… يبقى أبويا أنا، ‘عاصم الراوي’.” شعرت بغثيان يجتاحني. “يعني… يعني إحنا إخوات؟!” “لا،” رد بسرعة وهو ينظر في عيني مباشرة. “شريف وعاصم مكنوش إخوات… كانوا شركاء. وعشاق لنفس الست… أمك.”
صندوق الأسرار الأسود جلس طارق على حافة المكتب، وأشار إلى صندوق الحديد المفتوح. “أمك ‘نادية’ كانت بتشتغل سكرتيرة في شركة جدي زمان. أبويا عاصم حبها، لكن هي حبت شريف، الراجل اللي مكتوب اسمه في شهادة ميلادك الحقيقية. شريف وعاصم اختلفوا على كل حاجة؛ على الفلوس، على الشغل، وعلى أمك. في النهاية، أمك اتجوزت شريف في السر، وحملت فيكي.” ابتلعتُ ريقي بصعوبة وأنا أحاول ربط الخيوط. “طب والراجل اللي أنا عشت طول عمري فاكرة إنه أبويا؟”
“ده كان اللعبة،” ضحك طارق بسخرية مريرة. “أبويا لما عرف بجوازهم وبحملها، هدد بشطب شريف من العيلة وحرمانه من الميراث كله، وضغط على أمك بكل الطرق. شريف خاف… خاف وهرب، وساب أمك تواجه المصير ده لوحدها. عشان أمك تداري الفضيحة، وتنقذ نفسها، اتجوزت الراجل الغلبان الطيب اللي إنتِ عشتِ معاه، وكتبتك باسمه… وأبويا ساعدها في تزوير الورق ده عشان يفضل ماسك عليها ذلة طول العمر.” “وإنت؟” سألته وأنا أشير إليه بإصبع ترتعش. “إنت دخلت حياتي ليه؟ اتجوزتني ليه؟”
طارق تنهد، وظهرت في عينيه لمعة ندم خاطفة، لكن سرعان ما اختفت. “أبويا قبل ما يموت من أربع سنين، سابلي وصية ودفتر مذكرات. قالي إن فيه أرض وقضايا بمليارات باسم شريف الراوي، وإن شريف ملوش وريث شرعي مسجل في الأوراق الرسمية غير بنت مخفية… اللي هي إنتِ. قالي: ‘يا طارق، روح اتجوز البنت دي، وخليها تحت عينك، ولما الوقت ييجي، والراجل ده يموت، هنقدر نضع إيدنا على كل أملاكه بالورق القديم اللي معايا’.”
تراجعت للخلف أكثر حتى كدت أسقط. “يعني جوازك مني… كان مجرد سبوبة؟ صفقة؟” “في الأول… آه،” قالها طارق وهو يقترب مني و يحاول لمس كتفي، لكنني انتفضت وابتعدت عنه. “صدقيني يا منى، مع الوقت أنا حبيتك فعلاً. مكنتش عايز المؤامرة دي تكمل كده. أمك كانت بتكلمني وبتقلب الموبايل قدامك لأنها اكتشفت من ست شهور إن شريف ظهر تاني وكان بيموت في المستشفى، وكان عايز يشوفك ويصلح غلطته. أمك كانت مرعوبة لتعرفي الحقيقة وتكرهيها، وأنا كنت مرعوب لتعرفي إني اتجوزتك مصلحة فتبعدي عني. إحنا الاتنين كنا بنموت رعب كل ما موبايلنا يرن… كنا بنحاول نداري القنبلة دي عشان متنفجرش فيكي.”
الورقة الأخيرة “بس القنبلة انفجرت خلاص،” قلتها بصوت ميت، خاوٍ من أي مشاعر. التفتُّ نحو الصندوق الحديدي، وسحبت دفتر المذكرات وشريط الكاسيت. “والعنوان ده؟ والشقة دي؟” “الشقة دي ملك لشريف،” رد طارق وهو ينظر للصندوق بنهم جشع لم يستطع إخفاءه. “الرسالة اللي جاتلي وجاتلك كانت متبرمجة تتبعت من تليفون شريف بعد وفاته بشهر… الراجل خطط لكل حاجة عشان يجمعنا هنا. الورق اللي في الصندوق ده هو ‘عقد البيع والتنازل’ عن كل ثروته ليكي إنتِ لوحدك… مش ليا، ومش لأمك.”
نظرت إلى طارق، ثم إلى الصندوق. فجأة، فهمت نظرة أمي وتحذيرها: “لو خدتيه معاكي مش هتعرفي حاجة وكلنا هنضيع”. أمي كانت عارفة إن طارق بيدور على الثروة والورق، وكانت عايزاني أوصل للحق الشرعي قبل ما هو يحط إيده عليه. في هذه اللحظة، رنّ هاتفي في يدي. كانت… أمي. فتحت الخط ووضعت الهاتف على الاسبيكر دون أن أتكلم.
جاء صوت أمي باكيًا، يصرخ عبر الهاتف: “منى! إنتِ فين؟ طارق عندك؟ أوعي تصدقيه يا منى! طارق مش بيدور على حمايتك… طارق هو اللي سمم أبوه ‘عاصم’ زمان عشان ياخد المذكرات، وهو اللي هدد شريف في المستشفى ومنعه يشوفك لحد ما مات حسرة! طارق عايز الورق اللي في الشقة عشان يثبت إنك الوريثة، وبعدها… بعد اذنك هيقتلك ويورثك!” طارق تجمد في مكانه. النظرة الباردة تحولت في ثانية إلى وحشية مرعبة.
نظر إليّ، وسحب يده من جيب معطفه… ليدخر منها مسدسًا صغيرًا بكاتم صوت. “كنت أتمنى السيناريو يمشي أهدى من كده يا منى،” قال طارق وهو يوجه المسدس نحو صدري، وصوته أصبح هادئًا بشكل مرعب. “بس أمك دايماً بتفسد كل الخطط. هاتي الصندوق… بالذوق.” هل تريدين معرفة كيف ستنجو منى من مواجهة طارق والمسدس موجه إليها، وما هو السر الأخير الموجود داخل شريط الكاسيت؟