منوعات

حماتي عايزه كليتي

خرجت مروة من الغرفة 702 بخطوات ثابتة، لم تلتفت وراءها ولم تنظر إلى وجه أحمد الذي تجمدت الدماء في عروقه. كانت تسمع صوته الضعيف وهو يناديها بصوت مرتعش: “مروة.. مروة استني، إنتِ رايحة فين؟” لكنها لم تجب. نزلت في المصعد، وخرجت إلى الشارع تستنشق الهواء النقي وكأنها ولدت من جديد. 10 سنوات من الكتمان والصبر تبخرت في لحظة واحدة، وحلّ محلها هدوء مرعب، هدوء الشخص الذي يمتلك كل خيوط اللعبة.

أول ما فعلته مروة هو الاتصال بصديقتها المقربة “رشا”، وهي محامية ذكية ومتخصصة في قضايا الشركات والأحوال الشخصية. التقت بها في مقهى هادئ، وفتحت اللابتوب وعرضت عليها كل المستندات: التحويلات البنكية للشركة الوهمية، فواتير الفنادق، والمجوهرات، والتسجيل الصوتي الواضح لأحمد وهو يتآمر مع دنيا رفعت. رشا نظرت إلى الشاشة وعيناها تتسعان بذهول، ثم ابتسمت ابتسامة ثقة وقالت: — مروة.. أحمد افتكر نفسه ذكي، بس هو سلمك رقابته ورقابة شركته على طبق من فضة. التحويلات دي لو وصلت للضرائب ومكافحة الفساد، شركته هتقفل في ثواني، والتسجيل ده بيثبت سوء النية والغش التدليسي. إحنا مش بس هنطلقك، إحنا هناخده غسيل ومكواة!

في هذه الأثناء، في المستشفى، كانت الحاجة أمينة قد بدأت تستعيد وعيها الكامل، والضغط بدأ ينضبط. دخل الطبيب المشرف على الحالة لتفقدها، فوجد أحمد واقفاً في الزاوية يرتجف ويهز رجله بعصبية. الحاجة أمينة بنبرة متعالية: — يا دكتور.. أنا حاسة إن جسمي خفيف، الكلية الجديدة اشتغلت ولا إيه؟ وشوف البت مروة دي راحت فين، أنا طردتها ومش عايزة أشوف وشها هنا تاني. الطبيب نظر إليها باستغراب شديد، ثم التفت إلى أحمد وقال بنبرة جادة:

— كلية جديدة إيه يا حاجة أمينة؟ العملية اتلغت الصبح لأن ضغطك كان عالي جداً وما ينفعش تدخلي بنج.. ولما ضغطك اتظبط ودخلنا نجهزك، المدام مروة نزلت رسميًا وسحبت موافقتها على التبرع، ووقّعت على إقرار بالرفض البات والنهائي.. يعني ما فيش عمليات، وما فيش كلية! نزلت الكلمات على الحاجة أمينة كالصاعقة. صرخت وضعت يدها على جانبها وكأنها تتأكد: — إيه؟! سحبت موافقتها؟ البت الشغيلة تعمل فيّا أنا كده؟ يا أحمد.. فين مرتك؟ اتصرف! أنا بتموت!

أحمد، الذي كان يعلم الكارثة لكنه لم يجرؤ على قولها لأمه، انهار تماماً: — يا أمي مروة عرفت كل حاجة.. سمعتني وأنا بكلم دنيا.. مروة مش هترجع، ومبقاش معانا أي كارت نضغط بيه عليها! لم تضيع مروة أي وقت. في صباح اليوم التالي، توجهت برفق المحضرين وقوة من الشرطة، وبموجب توكيلها العام لإدارة الشركة وبصفتها المسؤولة الماليّة الرسمية والشريكة الفعلية في الحسابات، قامت بالحجز التحفظي على دفاتر الشركة، وتجميد الحسابات البنكية الخاصة بالعمل حتى يتم الفصل في قضايا الاختلاس المالي والتهرب الضريبي التي رفعتها رشا.

عندما وصل أحمد إلى مكتبه في شبرا الخيمة، وجد الأبواب مشمعة، والموظفين واقفين في الخارج في حالة ذهول. وفي نفس اللحظة، رن هاتفه.. كان المتصل هو المستثمر الكبير، والد “دنيا رفعت”. أحمد رد بلهفة: — أيوة يا عمي.. أنا.. قاطعه الرجل بصوت غاضب وهادر: — اسمع يا أحمد.. بنتي دنيا خط أحمر. جالي إيميل الصبح فيه تسجيلات ليك وإنت بتخطط للنصب على مرتك وتستغلها، وفيه أدلة على شركات وهمية وغسيل أموال. أنا سحبت بنتي وسحبت كل عروض الاستثمار، ومش عايز أشوف وشك تاني، وإلا هسجنك بنفسي!

أغلق الخط في وجهه. شعر أحمد بأن الأرض تدور به. خسر الكلية لأمه، وخسر زوجته التي بنى على أكتافها كل شيء، وخسر دنيا وأموال والدها، والآن شركته تضيع أمامه. وفي المساء، ذهبت مروة إلى بيت والدتها. ارتمت في حضنها وبكت.. لم تكن دموع ندم، بل دموع راحة بعد رحلة طويلة من العذاب. نظرت مروة إلى المطبخ، وتذكرت يوم أن رمت حماتها الشوربة في الحوض. ابتسمت مروة وقالت لوالدتها: — قومي يا أمي.. قومي اعمليلي من إيديكي شوية شوربة لحمة من بتاعة زمان.. الشوربة دي هي اللي هتقويني عشان أشوف اللي باقي من حقي وهو بيرجعلي، تالت ومتلت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى