الكلمة طلعت من بق هدى وصوت صدى الصوت فضل يلف في الصالة كأنه رصـ,ـاصة. “راجل غريب!”.. الكلمة دي كانت تقيلة، تقيلة أوي على أمي، وصادمة في حق تامر اللي واقف وشه جاب ألوان وعينه في الأرض من الإحراج. أمي صقفت بكفوفها ولطمت على صدرها، ونبرة صوتها اتغيرت من الغضب للكسرة والمجروحية:
“سمعت يا بشمهندس؟ سمعت الهانم اللي أنت لسه مدخلها بيتنا من سنتين بتقول على أخوك الصغير إيه؟ بقى تامر اللي طول عمره شايلك وشايلها في غيابك، تامر اللي ساندنا بقى راجل غريب؟! ماشي يا كريم.. أنا هسيبهالك واسيبلك شقتك اللي مرتكب فيها المحرمات دي، بس اعرف.. لا أنا أمك ولا أعرفك لو البنت دي فضلت في البيت ده ليلة واحدة، يا أنا يا هي في العمارة دي!”
أمي دارت وشها ونزلت السلم وهي بتعيط بقهرة، وتامر نزل وراها خطوتين، وبصلي بقلة حيلة وعتاب مرير وقال: “مكانش العشم يا كيمو، أنا كنت جاي أنام من التعب مش جاي أقتحم خصوصية حد.. شكراً يا سيدي”. ورزعوا الباب وراهم، وفضل الصمت الرهيب هو سيد المكان. التفتّ لهدى، كنت غـ,ـرقان بين نـ,ـاريين.. نـ,ـار أمي اللي شايفة إن كرامتها اتهانت في بيت ابنها الكبير، ونـ,ـار مراتي اللي واقفة بكل ثبات بتدافع عن أبسط حقوقها كست في بيتها.
“ليه يا هدى؟” سألتها والنفس طالع بالعافية، وصوتي بدأ يعلى من الضغط، “ليه تخلي الموقف يوصل للدرجة دي؟ أمي ست كبيرة، وكان ممكن الكلمة تتقال بأصول ولطف عن كده، مش ببرود وتحدي قدام أخويا الصغير! كسرتي بخاطرهم ليه؟”
هدى بصتلي، وعينها بدأت تغرغر بالدموع، لكن نبرتها كانت لسه ثابتة وجامدة: “أنا مأهنتش حد يا كريم. أنا اتكلمت بالأصول والدين. أوضة نومي فيها لبسي الخاص، وفيها قمصاني وحاجتي اللي م ينفعش تامر ولا غير تامر يشوفها بالصدفة حتى لو النور قطع أو التكييف باظ! أمك دخلت الشقة وهاجمتني في عقر داري، وقالتلي ملكيش حاجة هنا! يعني إيه ملكيش حاجة؟ أنا مش جارية يا كريم، أنا شريكة حياتك وده بيتي زي ما هو بيتك، والباب اللي يتقفل في وشها تكسره؟ ليه؟ هو إحنا عايشين في وكالة من غير بواب؟”
المناقشة اتحولت لخنـ,ـاقة كبيرة بيني وبين هدى، لأول مرة من سنتين صوتنا يصحّي الجيران. هدى شافت إني مش واقف في ضهرها وبحمي خصوصيتها، وأنا شفت إنها دمرت علاقتي بأمي في لحظة عناد. الليلة دي عديت كأنها سنة، هدى دخلت الأوضة وقفت عليها بالمفتاح من جوة، وأنا فضلت قاعد في الصالة، باصص للسقف والسيجارة ورا السيجارة، والأسئلة بتاكل في دماغي. حرب العند الصامتة تاني يوم الصبح، نزلت لأمي تحت وقلبي مقبوض. لقيتها قاعدة على السجادة وماسكة السبحة وبتعيط، وأول ما شافتني دارت وشها الناحية التانية. قعدت على ركبي وبست إيدها وراسها:
“حقك عليا يا أمي، أنتي فوق راسي وشقتي هي شقتك، وتامر أخويا الصغير وعيني ليه.. هدى خانها التعبير ومقصدتش تغلط في تامر، هي قصدها إن الأوضة مكركبة وفيها لبس خاص، والستات بيبقى عندهم حساسية في الحاجات دي.”
أمي زقت إيدي بحسم وقالت وعينها مليانة لوم: “يا كريم، البيوت القريبة من بعضها مفيش فيها الحواجز دي. إحنا عمرنا ما قفلنا باب في وش حد في بيت العيلة. مرتك عاوزه تعمل لنفسها دولة جوة دولتنا، وعاوزه تعزلك عننا. اليوم تقفل الأوضة، بكرة تقفل باب الشقة في وشنا كلنا! يا ابن بطني، لو مرأتك دي متأدبتش وعرفت إن البيت ده ملوش غير كبير واحد، يبقى لا أنت ابني ولا أعرفك”.
فهمت وقتها إن المشكلة مش مشكلة مفتاح ولا تكييف، المشكلة هي “صراع سيادة”؛ أمي خايفة هدى تاخدني منها وتغير قوانين العيلة، وهدى خايفة أمي تلغي شخصيتها وتهد مملكتها الصغيرة.
مرت تلات أيام، والوضع في العمارة بقى زي حقل ألغام. أمي منعت تامر يطلع عندي، وهدى بقت تنزل وتطلع على السلم من غير ما تبص لجهة شقة أمي، والجيران بدأوا يلاحظوا الصمت والقطيعة. أنا كنت بضيع في النص، في الشغل مش مركز، وفي البيت مفيش طاقة للكلام. هدى بدأت تلم هدومها في شنطة صغيرة وقالتلي: “لو وجودي هنا مسببلك مشكلة مع أهلك، ومفيش احترام لخصوصيتي، أنا ممكن أرجع عند أهلي لحد ما تشوف حل للموضوع ده، لأن مش هعيش في بيت مستباح”.
لحظة المواجهة الحاسمة الوضع كان لازم ينتهي، العند كان هيخرب بيتي وينهي علاقتي بأمي. في اليوم الرابع، قررت أخد خطوة جريئة. اتصلت بحمايا (والد هدى)، وهو راجل حكيم وعاقل، وطلبته يجيلي الشقة، ونزلت جبت أمي وتامر وطلعتهم فوق. الكل قعد في الصالة، والوجوه كانت ناشفة ومشدودة كأننا في محكمة. حمايا بدأ الكلام بهدوء: “يا حاجة فاطمة، كريم زي ابني وهدى بنتك، وإحنا مش جايين نكبر مشاكل، إحنا جايين نشتري خاطر بعض. بس الأصول بتقول إن البنت في بيتها ليها حرمتها، وأوضة النوم دي بالذات خط أحمر في الدين والأعراف”.
أمي ردت بحدة: “على عيني والراس يا أبو هدى، بس الأصول برضه بتقول إن الست تحترم حماتها وتعرف إن الشقة دي شقة ابنها اللي شقي فيها، وتامر مش غريب، تامر داخل ينام مش داخل يتفرج على حاجات خصوصية! الأسلوب والبرود اللي ردت بيه هدى هو اللي جرحني”. هنا هدى قامت وقفت، ونزلت دموعها اللي كانت حبساها طول الأيام اللي فاتت، وقربت من أمي وقعدت تحت رجليها. المشهد اتغير في ثواني، هدى مسكت إيد أمي وقالت بصوت مخنوق من العياط:
“سامحيني يا ماما.. والله العظيم أنا مكنش قصدي أهين تامر ولا أهينك. تامر أخويا الصغير، كام مرة كان بيمرض وأنا اللي بنزل أعمله الأكل؟ وكام مرة غسلنا لبسه سوا؟ أنا بس اتخضيت لما لقيت الموضوع اتفهم إني بطرده. أنا كنت سايبة قمصان نوم ولبس خاص جداً على الشماعة وفي كل مكان في الأوضة لأني نازلة مستعجلة لأمي التعبانة، وكنت هتمـ,ـوت من الإحراج لو تامر دخل وشاف الحاجات دي بالصدفة وهو شاب عازب. أنا طريقتي خانتني لأني حسيت إن بيتي ملوش أمان، بس أنتي يا ماما صاحبة البيت وأنا بنتك، ومينفعش تزعلي مني”.
انقشاع العاصفة الكلام لما بيطلع من القلب بيوصل للقلب. كلمات هدى الصادقة ودموعها لمست حنان الأم اللي جوة الحاجة فاطمة. أمي بصت لهدى، وشافت فيها بنتها فعلاً مش عدوتها. دمعت عين أمي، وراحت مادة إيدها ومسحت دموع هدى وأخدتها في حضنها وقالتلها: “يا بنتي، أنا كمان كنت مشدودة عشان تامر كان صعبان عليا من التعب والحر، ومقصدتش ألغي وجودك في بيتك.. حصل خير، أنتي بنتي والبيوت أسرار فعلاً، وحقك على راسي”.
تامر قام وقف وابتسم وقال بخفة دمه المعتادة: “يعني أفهم من كده يا جماعة إن مفيش تكييف ليا بعد كده؟ أنا من بكرة هشتري مروحة عمود وأقعد في الصالة والباب المقفول مش هقرب منه تاني!” الضحكة رجعت للصالة، وحمايا طبطب على كتفي وقال: “البيوت يا كريم محتاجة حكمة، والعند بيخرب، والكلمة الطيبة بتملك القلوب”.
اتعلمنا من الأزمة دي درس العمر.. إن “الخصوصية حق” مش قلة أصل، بس “الأدب والدبلوماسية في طلب الحق فرض”.. البيوت أسرار، وعشان المركب تمشي وسط الأمواج، لازم يكون فيه يد حنينة تطبطب، وعقل حكيم يوزن الأمور، ومن يومها وأوضة هدى مقفولة ومحدش بيزعل، لأن الكل بقى فاهم إن قفل الباب ده احترام للجميع، مش عزل لحد.