قمتُ من على الأرض بهدوء مريب. مسحت بقايا الدـ,ـم بمنديل، ورفعت رأسي بثبات ونظرت في عيونهم جميعاً. لم أعد أرى أمامي زوجاً أو عائلة، بل رأيت مجرد “مشروع خاسر” قررت تصفيته فوراً. سحبت هاتفي من الشنطة، وحوّلت نظري لأحمد الذي كان واقفاً يلهث بغضب يحاول استعراض قوته. اتصلت بالمحامي الأستاذ أسامة، وضعت الهاتف على مكبر الصوت ليسمع الجميع:
ـ أهلاً أستاذ أسامة، آسفة للإزعاج في وقت متأخر… أنا محتاجة أرفع دعوى طلاق للضرر فوراً، ومعاها بلاغ بالاعتداء والتعدي، والتقرير الطبي هعمله في المستشفى حالا. أه، وحاجة ثانية… ابدأ فوراً في إجراءات الحجز التحفظي والمراجعة المالية الكاملة للشركة اللي باسم زوجي، والكتل السكنية اللي كتبتها باسم حمايا بعقود أمانة ووكالات استثمارية. هنا… تغيرت ملامح الغرفة في ثانية. أحمد يتراجع خطوة لورا ووجهه يفرغ من الألوان: ـ شركة إيه؟ ووكالات إيه اللي بتتكلمي عنها؟
ابتسمت ببرود وأنا أعدل لياقة جاكيتي: ـ مش معقول تكون نسيت يا أحمد؟ من ثلاث سنين لما أخذت قروض باسمي وفتحت لك شركة المقاولات الصغيرة عشان تفك ضيقتك، وعملت لك توكيل إدارة بشرط إني الشريك الفعلي والممول الوحيد بعقود وشيكات موثقة؟ ولا نسيت الشقتين اللي كتبناهم باسم الحاج عبد الحميد عشان التهرب الضريبي والأوراق الرسمية، وأنا معايا عقود البيع الابتدائية وإيصالات السداد من حسابي البنكي؟ الحاجة أمينة وقفت ومسكت في حرف الترابيزة، واللقمة طارت من إيد كريم اللي كان ماسك الموبايل بيحلم بمحل العتبة!
الحاج عبد الحميد حط إيده على قلبه وقال بصوت مرتعش: ـ يا بنتي… يا مروة استهدي بالله… ده كلام زعل، أحمد ابني غبي وطاش وغلط، بس ما توصلش للشغل والبيوت! رديت بثبات وصوت هز أركان الصالة: ـ ابنك مش طاش يا حاج… ابنك افتكر إن السكوت ضعف، وإن القرشين اللي بياخدهم مني مجرد حق مكتسب. قرب أحمد مني بلهفة، يحاول يمسك إيدي بصوت متوتر ومختلف تماماً عن الصوت اللي كان بيدهسني بيه من دقيقتين:
ـ مروة… حبيبتي اعتبري القلم ده غلطة، أنا أسف والله كنت متعصب من كلامك لأمي، حقك عليا، نتفاهم يابنت الناس، بلاش يخـ,ـرب بيتنا! شلت إيده بانتفاضة واشمـ,ـئزاز: ـ بيتك اتخـ,ـرب من اليوم اللي استسهلت فيه تمد إيدك على الست اللي شايلاك وشايلة أهلك! طلعت من الشقة وسيبت ورايا عاصفة. بداية الانتقام البارد: المراجعة المالية! ثاني يوم الصبح، مروة مديرة الإدارة المالية لم تعد الزوجة المطيعة… بل أصبحت “الصارم المالي”.
خلال 72 ساعة، نزل فريق مراجعة قانوني ومحاسب قانوني محترف على شركة أحمد للمقاولات. وبحكم إن مروة هي الممول وصاحبة رأس المال الفعلي والشيكات الموقعة من أحمد كضمانات، تم تجميد الحسابات البنكية للشركة تماماً. المفاجأة الكبرى التي كشفتها المراجعة؟ أحمد لم يكن يربح شيئاً! الشركة كانت تخسر، وكان يغطي خسائره وسحبياته الشخصية وسفريات كريم ودلع داليا من الحسابات السريعة والقروض التي تسددها مروة من مرتبها كمديرة مالية! وليس هذا فقط… المحاسب القانوني اكتشف إن أحمد كان بيسحب مبالغ تحت مسمى “مصاريف إدارية” وبيحرف في الفواتير عشان يشتري عربية جديدة لكريم أوهاماً منه إنه هيسدد لما مروة ترقيتها الجديدة تنزل!
السقوط الحر لـ “العيلة الفاخرة” مر أسبوع واحد فقط… وكانت الحقيقة مريرة كالعلقم على عائلة الحاجة أمينة: كريم وداليا: التوكيل اللي كان كريم رايح يشتري بيه الموبايلات في العتبة اترفض لأن حسابه اتجمد، وداليا اضطرت ترجع الشنطة الماركة والمجوهرات اللي اشترتها بالتقسيط باسم أحمد، بعد ما الموردين هددوا بتقديم الشيكات للنيابة! أحمد: جاله إخطار رسمي بالحجز التحفظي على معرض سيارته والشقق، وأصبح مهدداً بالسجن بسبب شيكات الضمان التي وقّعها لمروة بصفاتها الممول للشراكة.
الحاجة أمينة: اللي كانت بتطلب 15 ألف جنيه زيادة فوق السفرة، أصبحت تطرق أبواب الأقارب لطلب كفالة مالية أو واسطة للحديث مع “مروة”! المواجهة الأخيرة في مكتب الأستاذ أسامة المحامي… جلس أحمد وأبوه الحاج عبد الحميد، وانكـ,ـسار السنين في أعينهم. دخلت مروة بكامل أناقتها، هادئة، واثقة، وتمسك بفي ملف أسود أنيق. أحمد بصوت مخنوق: ـ مروة… أنا مستعد أتباس على رجلك قدام أهلي كلهم، بس بلاش السجن… والدي مريض بالضغط ومش هيستحمل الفضيحة دي، الشقق والشركة أهو خذيهم كلهم، بس تنازلي عن القضايا.
حطت مروة الملف على الطاولة وقالت بابتسامة ثلجية: ـ أنا مش مفترية يا أحمد… العقارات والشركة هيرجعوا لي بالقانون لأنهم فلوسي. الشيكات اللي عليك هتتنازل عنها بشرط واحد… الطـ,ـلاق الخلعي الفوري بدون أي شوشرة، وتدفع كل مليم أخذته بعقود أمانة على دفعات من مرتبك الوظيفي اللي هتلاقيه بالعافية بعد كدة. الحاج عبد الحميد بكى وقال: ـ سامحينا يا بنتي… كنا فاكرينك ضعيفة عشان طيبة. ردت مروة وهي بتمضي على أوراق التنازل المشروط:
ـ الطيبة مش ضعف يا حاج… الطيبة اختيار. ولما الاختيار ده يتهان… بيتحول لأقسى أنواع الحساب. خرجت مروة من المكتب، ونظرت للسماء وهي تتنفس الحرية لأول مرة من 5 سنين. سحبت هاتفها، وحذفت أرشيف الرسائل القديمة، وبدأت صفحة جديدة… صفحة لا مكان فيها لـ “ماكينات الصراف الآلي”، بل لامرأة تعرف قيمة نفسها جيداً!