تجمدت في مكاني. كان صوت المفتاح في الباب كأنه ضـ,ـربات مطرقة فوق دماغي. الورقة في إيدي كانت عبارة عن عقد بيع وشراء وتنازل، ومعه تقرير بنكي رسمي. عينيا مكنتش قادرة تستوعب الأرقام، لكن عقلي لقط الصدمة: جوزي “الموظف الغلبان” اللي مقسم اللحمة باليوم، واللي رافض يغير أوضة النوم، بيملك محلات تجارية وأراضي، ومكتوب في الورقة تنازل رسمي عن جزء كبير من أملاكه وأرباحه لولاده! ولاده؟ هو مش قالي إنه عقـ,ـيم ومخلفش من الجوزتين اللي قبلي؟!
التقرير الطبي اللي كان مع العقود بيأكد إنه مخلف ولد وبنت من زوجته الأولى، ومكتوب في التنازل إن الأرباح بتروح ليهم ولأمهم شهرياً بمبالغ خيالية. يعني الكرم اللي سمعت عنه مكنش ماضي وبس، ده حاضر ومستمر، بس بعيد عني! هو اتجوزني أنا بالذات لسبب واحد: سنّي وميراثي. هو مش محتاج يدفع قرش واحد في البيت ده، وعايز “مغفلة” متعلمة ووارثة، تشيل مصاريفها وتديله فلوسها يعمل بيها مشاريع تكبر أملاكه اللي هتروح في النهاية لولاده اللي مخبيهم عني!
أول ما مقبض الباب اتحرك، وبحركة لا إرادية وسريعة من الخوف، طبقت الورقة وحطيتها في جيب الروب، وقفت بسرعة وقفلت الدرج، لكن ملحقتش أشيل المفتاح. دخل الأوضة وهو بيقلع ساعته، عينه جت عليا وأنا واقفة ومربكة، بعدين عينه نزلت على المكتب. سألني بنبرة هادية بس فيها شك: “إنجي؟ بتعملي إيه هنا؟ والدرج ده مفتوح ليه؟” حاولت أجمع كل شجاعتي، وابتسمت ابتسامة باهتة وأنا بحط إيدي التانية في جيب الروب أداري ليرتعش:
“أبدًا يا حبيبي.. كنت بدور على وصل النور القديم عشان أتاكد من الاستهلاك، ولقيت المفتاح محطوط في الدرج فقلت أشوف لو الوصل جواه.” بصلي لثواني طويلة كأنه بيقرا أفكاري، نظرة خلت جسمي كله يقشعر. مشي ناحية المكتب، أخد المفتاح وقفل الدرج بإحكام، وحطه في جيبه وهو بيقول: “لا، الحاجات دي تخص الشغل مفيهاش فواتير. المهم.. فكرتي في موضوع الشهادات؟ أنا كلمت صاحبي اللي عنده معرض الذهب وقال لي الوقت ده مثالي جداً للشراء.”
في اللحظة دي، حسيت بقرف رهيب. الراجل اللي واقف قدامي ده بيمثل عليا دور الزوج الطيب الحريص على مصلحتي، وهو في الحقيقة صياد بيحاول يسـ,ـرق شقا عمري وميراثي. قلت له وأنا بتحرك ناحية الباب عشان أهرب من خنقة الأوضة: “آه طبعاً يا حبيبي.. بفكر جديًا. هروح أحضر لك العشا وتتكلم بالتفصيل.”
طول الليل منمتش. كنت بانتظر بس النهار يطلع. الورقة في جيبي كأنها نار بتكوي جسمي. كنت بسأل نفسي: “أنا هونت على أهلي للدرجة دي؟ ضغطوا عليا عشان أتجوز أي حد لمجرد إني كبرت في السن؟ رموني الرمية دي؟” لكن رجعت وقلت لنفسي: “أنا إنجي الخطيب.. مؤهل عالي، وبشتغل في أكبر شركة، ومش هسمح للبخل والجـ,ـشع ده يكسرني.” تاني يوم الصبح، نزلت الشغل عادي جداً، ومن هناك كلمت والدتي. قلت لها إني جاية أقعد معاها كام يوم عشان وحشاني. طبعاً والدتي قلقلت وسألتني في إيه، بس قلتلها مفيش حاجة.
قبل ما أروح لوالدتي، رحت للبنك. سحبت كل المبالغ اللي أقدر أسحبها، وعملت حظر وتغيير لكل التوقيعات والأرقام السرية لشهاداتي وحساباتي عشان مفيش أي حد يقدر يوصلها بتوكيل أو بأي طريقة تانية. أول ما وصلت بيت والدتي، قعدت معاها وفتحت شنطتي وطلعت الورقة. أمي قرتها وشهقت، مكنتش مصدقة. بكت وقالت لي: “أنا السبب.. أنا اللي ضغطت عليكي عشان متفضليش لوحدك، معرفش إنه بالخسة دي!” قلت لها وأنا بمسح دموعها: “يا أمي، الوجع ده فوقني. المهم دلوقتي إني مش هرجع للبيت ده تاني.”
في نفس اليوم بالليل، تليفوني رن. كان هو. رديت عليه بكل برود: “أيوة يا مدحت.” قال لي بزعيق وعصبية لأول مرة أسمعها منه: “إنتِ فين؟ وإيه اللي مكتوب في الرسالة اللي جاتلي من البنك إنك غيرتي الصلاحيات؟ وإيه الشنط اللي ناقصة من الدولاب دي؟” أخذت نفس عميق، وقلت له بنبرة قوية وثابتة: “أنا في بيت والدتي يا مدحت.. والشهادات والفلوس اللي كنت عينك عليها دي خلاص بقت بعيد عنك تمامًا. والجدول اللي لازقه على التلاجة عشان تحسب عليا بالجرام، إبقى احسب بيه لنفسك من هنا ورايح.”
سكت لحظة، وصوته اتملا غل: “إنتِ اتجننتي؟ إنتِ عارفة إنتِ عندك كام سنة؟ مين هيبص لك ولا هيشيلك غيري؟” ضحكت ضحكة قوية خلت صوته يقطع، وقلت له: “أنا اللي هشيل نفسي بشغلي، بفلوسي، وبكرامتي اللي استخسرتها فيا. ورقتي توصلي بيت والدتي في أسرع وقت، وإلا العقود والتنازلات والتقارير الطبية اللي في درج مكتبك السري.. هتبقى بكره الصبح على مكتب مصلحة الضرائب ومحامي زوجتك الأولى. سلام يا.. يا جوزي المحترم.” قفلت السكة في وشه، ولأول مرة من سنة كاملة، حسيت إني قادرة أتنفس بجد. التمثيلية انتهت، والحرية ابتدت.