خرجت عطر وسابت وراها شوارع من الأسئلة بتاكل في عقل ياسين. البيت كان ساكت، بس السكوت المرة دي كان أتقل من أي كلام. الحاج حمدان بص لابنه بنظرة تقيلة مليانة خيبة أمل، نزل كاب الشاي ووقف، وهيبته كانت كفيلة تخلي المكان أصغر مما هو عليه. الحاج حمدان: “اللي علمتهولك الغربة يا دكتور، إنك تقيس الناس بالبدلة والساعة؟ عطر اللي بتتكلم عنها دي هي اللي كانت شايلة البيت في غيابك، هي اللي شالتني لما ظهري اتثنى.. روح نام يا ياسين، ولما صحتك وعقلك يرجعولك.. نبقى نتكلم.”
سابه ومشي، وياسين يفضل واقف في نص الصالة، عينيه معلقة على الباب اللي خرجت منه عطر. كلمة “دكتور حازم” و”المؤتمر الطبي” كانتا بيلفوا في دماغه زي السكينة. معقولة؟ معقول البنت اللي كان فاكرها جاهلة تبقى دكتورة؟ والأسوأ.. مين حازم ده؟ الليلة الأولى: نار الغيرة والكبرياء طول الليل، ياسين ماغمضلوش جفن. كان بيلف في أوضته القديمة، البدلة الغالية مرفوعة على الكرسي، والساعة الماركة محطوطة على الترابيزة.. بس لأول مرة حس إن الحاجات دي ملهاش أي قيمة.
مسك تليفونه، وبدأ يدور على النت بلهفة: “المؤتمر الطبي الدولي لجراحة القلب – القاهرة”. ظهرت صفحة المؤتمر الرسمية، وبدأ يفر في قائمة المتحدثين والأطباء المشاركين. وفجأة.. صوابعه اتجمدت على الشاشة. د. عطر حمدان الهلالي > مدرس مساعد جراحة القلب والأوعية الدموية – الحاصلة على المركز الأول للدفعة لمدة 6 سنوات متتالية. تصوير جنب اسمها كان لـ “د. حازم العطار”، استشاري الجراحة، شاب وسيم وفي أوائل التلاتينات. ياسين ض.رب التليفون على السر.ير وهو بينفخ بغ.ضب. الشك اللي كان جواه أتحول ليقين، وصد.مته أتحولت لبركان من الغيرة والتحدي. “بقى أنا ياسين الهلالي يترفض، وعشان مين؟ عشان دكتور زميلها؟”
في صباح اليوم التالي: قاعة المؤتمر في أفخم فنادق القاهرة، كانت قاعة المؤتمر مليانة بأكبر أطباء الجراحة من مصر وبرا. ياسين دخل القاعة وهو لابس أنقح بدلة عنده، ماشية مع هيبته وثقته النفسية اللي بحاول يسترجعها. بس أول ما عينيه وقعت على المنصة.. قلبه اتنفض. عطر كانت واقفة ورا الميكروفون، لابسة بالطو أبيض شديد البياض فوق فستان أسود كلاسيك، شعرها مرفوع ببساطة، ونظارتها الطبية مديالها وقار شديد. كانت بتعرض بحث طبي معقد بلغة إنجليزية متقنة، والكل في القاعة بيسمعها بش.غف وإنصات.
ياسين وقف في آخر القاعة، متسمر. مكانش شايف فلاحة، مكانش شايف الطفلة أم ضفيرتين.. كان شايف ملكة بتسيطر على القاعة بعقلها قبل جمالها. ولما خلصت عرضها، القاعة كلها هزتها التصفيقات. في اللحظة دي، قرب منها دكتور حازم مبتسم، وناولها كاس المية وباركلها بحرارة، وهي ابتسمتله بامتنان. المشهد ده كان كفيل يخلي الدم يغلي في عروق ياسين. المواجهة في الكواليس بعد انتهاء الجلسة، عطر كانت ماشية في الطابق الخلفي للقاعة وهي بتمسك أوراقها، وفجأة لقي إيد بتش.دها بالراحة من دراعها وبتسحبها للناحية التانية من الممر.
بصت بعيون ثابتة، ولقته ياسين. عطر (ببرود مستفز): “خير يا دكتور ياسين؟ المؤتمر ده للأطباء، أظن مكانك مش هنا إلا لو جاي بصفة مستمع.” ياسين قفل المسافة بينه وبينها، عينيه مليانة شرار، وقال بنبرة صوت واطية ومخيفة: ياسين: “دكتورة عطر الهلالي.. مش كده؟ السبع سنين دول كبرتي فيهم وعملتي كل ده من ورايا؟ ولما أرجع، أكتشف إن مراتي الدكتورة شاطرة في التمثيل وبتخطط للطلاق عشان السي المتر D. حازم؟” عطر ضحكت ضحكة هادية رنانة، قربت منه خطوة ورتبت لياقة بالطوها الأبيض:
عطر: “أولاً.. أنا متعبتش وعملت نفسي عشان أثبتلك حاجة، أنا عملت ده لنفسي ولدعوات عمي اللي أمني على مستقبلي. ثانياً.. دكتور حازم أستاذي وشريكي في بحث العملية بكرة، ورجل يحترم الستات وقيمتهم.. مش بيقيسهم بجلابية قديمة ولا بشهادة من برة.” ياسين مسك إيدها بقوة، ونبرة صوته اتغيرت من الغضب للتوسل الدفين: ياسين: “أنا جوزك يا عطر! اسمك على اسمي! والكلمة اللي تقالت امبارح كانت غباء مني.. أنا أتعميت لما جيت، بس أنا..”
عطر سحبت إيدها بقوة وثبات، وبصتله بنظرة خلته يندم على كل لحظة أذاها فيها: عطر: “أنت جاي دلوقتي تفتكر إنك جوزي ليه؟ عشان شفتني دكتورة؟ ولا عشان في راجل تاني قدر قيمتي فغيرتك اشتغلت؟ ياسين.. أنت ما حبيتنيش، أنت بس مش متقبل إن الحاجة اللي كنت فاكرها ملكك ومضمونة.. طلعت أكبر منك بكثير.” اللحظة الحاسمة: غرفة العمليات بعد الساعات الأولى من اليوم التالي، حدث غير متوقع في المستشفى الكبير. حالة طارئة ودقيقة جداً وصلت للمستشفى: طفل في حالة حرج بسبب ثقب نادِر في القلب مع انق.طاع بالشريان الأورطي. العملية محتاجة فريق جر.احي دقيق وعلى أعلى مستوى.
عطر كانت بتتجهز للدخول، بس الصد.مة لما دخلت غرفة التعقيم.. لقيت ياسين واقف بيلبس الجوانتي المعقم، وهو اللي جراح رئيسي مكلف من إدارة المستشفى للحالة نظراً لخبرته الدولية. بصوا لبعض من ورا الماسكات الطبية. العيون كانت بتتكلم. ياسين (بجدية ومهنية أطباء): “دكتورة عطر.. تنسي كل اللي برة الباب ده. دي حياة طفل، ومحتاجين نشتغل كفريق.” عطر (بهدوء وتركيز): “أنا دايماً قادرة أفصل بين شغلي وبين أي حاجة تانية يا دكتور. يلا بينا.”
على مدار 4 ساعات متواصلة، كانت التوتر في الأوضة يقط.ع بالسك.ين. ياسين كان مبهور بدقة إيدين عطر، سرعتها، بديهتها السريعة لما الضغط هبط فجأة، وطريقتها في التعامل مع المشر.ط.. كانت بتشتغل كأنها جر.احة بقالها 20 سنة. وفي لحظة حرجة، لما الشريان بدأ ينز.ف، إيد ياسين اترعشت لأول مرة من التوتر، بس عطر بلمسة سريعة ودقيقة ضغطت على مكان النز.ف وسدته بإتقان، وبصتله في عينيه: عطر: “اخيط الشريان.. كمل أنت الصمام.”
ياسين حس إن قلبه هو اللي بيتخيط في اللحظة دي. البنت دي مش بس شاطرة، دي أنقذت موقفه وهي أهدى منه! النهاية المشوقة: القرار خرجوا من غرفة العمليات بعد نجاح العملية. الطفل أتنقل للعناية المركزة وحالته استقرت. في ممر المستشفى الفاضي بالليل، كان ياسين قاعد على كرسي، باصص للأرض ومجهد تماماً. عطر كانت جاية من بعيد وماسكة كوبايتين قهوة. قعدت جنبه، وناولته كوباية. ياسين خد القهوة، وبص للأرض وقيل بصوت مك.سور:
ياسين: “أنا أسف يا عطر.. أنا أكبر مغرور وغبي شفته في حياتي. أنا مش أسف عشان بقيتي دكتورة، أنا أسف لأني ما كلفتش خاطري أعرف مين عطر الحقيقية.. أنا أستاهل كل كلمة قولتيها.” عطر بصت للقهوة وسكتت لحظة، وبعدين قالت: عطر: “الأسف مش بيغير اللي اتك.سر يا ياسين.. بس بيسكن الوجع شوية.” ياسين بص لها بعيون مليانة أمل ورجاء: “طب وهل في فرصة؟ فرصة واحدة أثبتلك فيها إن ياسين اللي قدامك ده، مستعد يبدأ معاكي من الصفر؟ مش عشان كلام أبوي، ولا عشان اسم العيلة.. عشانك انتي؟”
عطر وقفت، لمست شنطتها، وبصتله بابتسامة غامضة مش مفهومة: عطر: “الورقة بتاعة طلاقي اللي كنت عاوزها.. عمي رفض يوقع عليها، وأنا كمان مش هطلبها دلوقتي.” ياسين قام وقف بسرعة والأمل بيبرق في عينيه: “يعني موافقة تدينا فرصة؟” عطر ابتسمت ابتسامة كبرياء وقالت وهي ماشية: عطر: “أنا هديك فرصة واحدة بس يا دكتور.. فرصة تخليك تحاول تخليني أغير رأيي، لكن افتكر دايماً.. الدكتورة عطر مش بسهولة حد يكسب قلبها!” سابته ومشيت في الممر بخطوات واثقة، وياسين واقف بيتفرج عليها، وعلى وشه ابتسامة رجاء وتحدي.. عرف إن المعركة الحقيقية عشان يكسب قلب مراته يادوبك لسه بادية!