فتحت أبليكشن البنك ولغيت كل الأوامر التحويلية الشهرية التلقائية بضغطة واحدة، والكل واقف حابس أنفاسه والموبايل بينور بإشعارات التأكيد: “تم إلغاء التحويل الدعم الدوري لـ مديحة.. تم إلغاء التحويل لـ تامر.” رفعت عيني لمديحة وقلت بثبات: “من اليوم ده، مش هتدخل لي جنيه واحد من الشركة غير في حسابي المقفول. شاليه الساحل اللي عاوزة تكتبيه باسم تامر؟ اتفضلي اكتبيه، بس خليه يدفع أقساطه المتأخرة الشهر الجاي، لأن البنك هيحجز عليه لو مدفعتوش خلال 15 يوم.. ومصاريف عملية بابا؟ ديوني أنا للبنك سددتها، بس الجمعية اللي أخدتيها باسمه هتتسدد من جيبك.”
الصدمة نزلت على الصالة زي الصاعقة. تامر وشّه جاب ألوان وقام وقف بغضب: “إنتي بتذلينا عشان كام ألف جنيه دفعنيهم؟ إنتي فاكرة نفسك مين؟” بابا ضرب بإيده على السفرة بقوة هزت الأطباق، وقال بصوت هز البيت كله: “اسكت خالص يا تامر! كتمت صوتك ده وما أسمعلكش نفس!” بص بابا لمديحة وعينيه مليانة كسرة وخذلان، وسألها بصوت مبشوح: “30 ألف جنيه كل شهر يا مديحة؟ 19 شهر؟ يعني أكتَر من نص مليون جنيه إيمان كانت بتدفعهم وإنتي بتاخديهم وتقوليلي ‘ربنا مبارك في معاشي وزيادة’؟ وبتقولي للبنت في وش القرايب إنها مش من العيلة؟”
مديحة بدأت تعيط بتمثيل وحسرة: “يا حاج.. أنا كنت بعمل كده عشان متبقاش أحسن من أخوها.. عشان تامر يعرف يتجوز وما يحسش إنه أقل منها! هي معاها فلوس وشغالة في شركة أجنبية، وأخوه…” قطعت كلامها بصوت هادي بس يقطع الخلفية: “أخوه اللي الورشة بتاعته اتقفلت بسبب الإهمال، وأنا اللي أنقذته من الحبوسة. أخوه اللي خطيبته قاعدة جنبه أهي ومش عارفة إنه خاطب بفلوس أخته اللي ‘مش من العيلة’.”
“ريهام” خطيبة تامر وقفت فجأة، وجمعت شنطتها بسرعة وهي تبص لتامر بقرف ومفاجأة: “تامر.. إنت قايل لي إن الشاليه ده بتاعك من تعبك في الورشة، والبيت ده إنت اللي شايل مصاريفه! اتاري أختك هي اللي صارفة على الجوازة والبيت كله والورشة كمان؟” تامر حاول يمسك إيدها: “ريهام استني بس، نفهمك..” زقت إيده وقالت: “أنا مش هكمل مع واحد عايش على قفا أخته وبيتباهى بفلوس مش فلوسه!” وطلعت تجري من باب الشقة، وتامر جيري وراها وهو بيزعق.
القرايب الـ 20 اللي كانوا معزومين بدأوا يتسحبوا واحد ورى الثاني في صمت قاتل، من كتر الإحراج والكسفة اللي حصلت على السفرة. فضلنا في الصالة: أنا، وبابا، ومديحة اللي كانت قاعدة على الكرسي حاطة إيدها على وشها وبتعيط بجد المرة دي من الفضيحة والخسارة. بابا قرب مني، مسك إيدي بإيدين بترتعش، وعينيه مليانة دموع: “سامحيني يا بنتي.. أنا كبرت وعميت، وما كنتش شايف كل ده. افتكرتك نسيتيني وابتعدتي، واتاريكي إنتي اللي شايلانا كلنا على كتفك ومن غير ما تتكلمي ولا تفتخري..”
بست إيد بابا وقلت له بكل حنية: “إنت بالذات يا بابا فوق راسي، أي حاجة تحتاجها في صحتك وعلاجك أنا تحت رجليك وفي خدمتك لشخصك إنت وبس.. لكن البيت ده، والناس اللي فيه، من النهاردة مالهمش عندي مليم واحد. ولحد ما يتدربوا يعيشوا على قد إمكانياتهم، أنا مش هكون الممول لقصص الفشخرة الكدابة.” شلت شنطتي، وبصيت لمديحة بصة أخيرة وقالتلها ببرود: “الدوسيه الأزرق بتاع الشاليه خليه معاكي.. ينفعك وأنتوا بتسددوا أقساطه الشهر الجاي.”
ومشيت وسبت البيت، وأنا بحس لأول مرة من سنين إني حرة، وأن كرامتي وحقي رجعوا لي قدام الكل، وأن ‘البنت الزيادة’ هي اللي كانت شايلة البيت ده على كفوفها!