منوعات

مستحيل اتجوزها

“مستحيل أتجوزها! تيجي تعيش هنا في بيتنا أهلاً وسهلاً، لكن مش لازم أتجوزها.” سميرة: “ما أنت عارف إن رقية متدينة جداً، والشرع يمنع قعدتها هنا من غير مـ،ـحـ،ـرم.. وأهل جوزها طردوها بعد مـ،ـو،،،ته. اكتب عليها وريح قلبي.” جاسر بـ،ـغـ،ـضـ،ـب: “وهي إزاي موافقة تتجوز جوز أختها؟” سميرة: “مكنتش موافقة، بس لما الحال ضاق بيها اضطرت توافق.” قاطعهم رنين الهاتف، سميرة بـ،ـهـ،ـلع: “أيوه يا رقية.. إيه؟! يا لهوي! طب اهدي إحنا مسافة السكة.. حاولي تقفلي باب الأوضة!”

جاسر بـ،ـخـ،ـوف: “في إيه؟ مالها رقية؟” سميرة بـ،ـصـ،ـر،،،اخ: “بسرعة يا جاسر! جوز أمها غايب عن الوعي اجري!” انطلق جاسر كـ،ـالـ،ـبـ،ـرق إلى بيت رقية. بالداخل، كانت رقية تـ،ـقـ،ـاوم بـ،ـبـ،ـكـ،ـاء مـ،ـرير: “يارب استرني يارب!” شوقي: “اوعي بقى!”.. ودفع الباب. تراجعت رقية وهي تبحث عن نقابها، رقية: “الله يسترك سيبني في حالي!” شوقي: “اهدي بس..” وفي تلك اللحظة تـ،ـحـ،ـطـ،ـم باب الشقة ودخل جاسر بـ،ـغـ،ـضـ،ـب عارم. جرى جاسر نحو رقية هو وأمه. جاسر بـ،ـصـ،ـدمة حين رأى وجهها: “مش معقول.. أنتِ.. أنتِ شبهها أوي كدة إزاي؟!”

رقية بـ،ـانـ،ـهـ،ـيـ،ـار: “بالله متبصش عليا! ماما هاتي لي النقاب!” أشاح جاسر بوجهه عنها بـ،ـاحـ،ـتـ،ـرام: “متقلقيش، أنتِ كلها يوم وتبقى مـ،ـر،،،اتي.” رقية بـ،ـضـ،ـعـ،ـف: “لما أبقى.. لسه.” سميرة: “يلا يا جاسر خدها معانا، مينفعش تفضل هنا.” حاولت رقية القيام بـ،ـوهـ،ـن، اعترضت بـ،ـخـ،ـجـ،ـل: “لا متـ،ـشـ،ـلـ،ـنـ،ـيش.. أنا همشي، عشان خاطري.” جاسر باستغراب: “ما أنا كدة كدة هبقى جوزك!” رقية بـ،ـعـ،ـفـ،ـة: “لسه.” وصلوا إلى البيت، ودخلت رقية وهي تشعر بالاعياء.. وكانت الـ،ـصـ،ـدمـ،ـة بانتظار الجميع حينما دخل والد جاسر ورآها!

اتسعت عينا الوالد “الحاج عبد الجواد” وهو يمسك بعكازه، وسقطت الصينية الزجاجية من يد الخادمة لتتهشم على الأرض، متسببة في صوت صاخب أخرج الجميع من ذهولهم الموقت. نظر عبد الجواد إلى رقية بملامح شاحبة وجسد يرتجف، ثم همس بنبرة حشرجها الذهول: “وردة؟! أنتِ رجعتي يا وردة؟ ولا أنا كبرت وعقلي راح مني؟” كانت رقية تلتف بنقابها الذي أعادت ارتداءه فور وصولهم، لكن الجزء السلفي منه كان قد انزاح قليلاً ليظهر شامة صغيرة أسفل فكها الأيسر—وهي ذات الشامة التي كانت تميز أختها المتوفاة “وردة”، زوجة جاسر الراحلة التي رحلت قبل عامين في حادث أليم وتركت في قلبه جرحاً لم يندمل.

خطى جاسر خطوة ونظر لأبيه بوجوم: “دي رقية يا بابا.. أخت وردة الله يرحمها.” ساد الصمت القاتل للحظات، قبل أن يتقدم عبد الجواد بخطوات ثقيلة، ينظر إلى رقية بشك وخوف مكتوم، ثم التفت إلى زوجته سميرة وقال بنبرة صارمة: “ورقية إيه اللي جابها هنا في وقت زي ده؟ ومن غير راجل من أهلها؟” قاطعه جاسر بصوت حاد يحاول السيطرة فيه على انفعالاته: “جابها إن جوز أمها كان هيعتدي عليها يا بابا! جابها إن نسيبي المرحوم -أخو جوزها القديم- ساب أهل بيته يطردوها بعد موته عشان الطمع في الورث! رقية مالهاش حتة تنام فيها النهارضة، وأمي هي اللي أصرت نجيبها.”

انقبض وجه عبد الجواد، وتردد صدى كلماته الحادة في الصالة الواسعة: “نجيبها على عيننا وعلى راسنا.. بس تقعد في بيتي إزاي وأنت موجود يا جاسر؟ الناس تقول إيه؟ جوز أختها المحرّم عليها يقعد معاها تحت سقف واحد؟” خطت رقية خطوة إلى الخلف، ورغم إعياء جسدها الشديد ورجفة يديها، رفعت رأسها بعزة نفس وقالت بصوت هادئ ولكنه صلب كالقصب: “عمي الحاج عبد الجواد عنده حق يا طنط سميرة.. أنا متشكرة إنكم أنقذتوني، بس أنا ممكن أقعد في أي أوتيل صغير لغاية الصبح، وبعدها أتصرف.”

جاسر ينظر إليها بذهول؛ كيف لتلك الفتاة التي كانت منذ دقائق تنتفض كالطير المذبوح تحت بطش رجل مريض، أن تملك كل هذه الهيبة والعفة وترفض البقاء احتراماً للشرع والأصول؟ سميرة بصوت باكي: “تروحي فين يا بنتي بس في أنصاص الليالي؟! يا عبد الجواد، المأذون ييجي بكرة الصبح يكتب الكتاب.. زواج صورى على الورق بس، لحد ما أمورها تترتب!” جاسر بحدة: “زواج صوري؟! أنتِ بتقولي إيه يا أمي؟ أنا مش هجوز حد عشان أعمل حماية! أنا راجل، ولما أتجوز، أتجوز عشان أكون زوج مش حارس عقار!”

رقية بصوت مبحوح: “وانا مش جارية ولا بضاعة يشتريها حد عشان ينقذها! أنا هتمشى لأقرب مسجد أو دار مناسبات للصبح..” وقبل أن تكمل كلماتها، دارت الدنيا بعينيها، وسقطت مغشياً عليها بين يدي سميرة التي صرخت برعب. مرت الأيام وسكنت رقية في “الملحق الخلفي” للفيلا—وهو بيت صغير للمواشي والخدم سابقاً تم تجهيزه بسرعة ليكون معزولاً تماماً عن الشقة الرئيسية لجاسر، احتراماً لشرع الله حتى يُبت في أمرها.

كان جاسر يراقبها من بعيد. كلما مر بالحديقة، رآها تجلس تقرأ وردها القرآني، أو تعتني بالزهور بصمت. لم تكن تشبه “وردة” في الملامح فقط، بل كانت نسختها الأوضح، لكن شتان بين الشخصيتين! وردة كانت صاخبة، تحب الحياة المادية والخرجات، بينما رقية كانت كالنسمة الهادئة، تقية، تزن كلماتها بميزان من ذهب. وفي أحد الأيام، جاء “شوقي” (زوج أمها) رفقة اثنين من أشقاء زوجها المتوفى إلى مقر شركة جاسر. دخل شوقي المكتب بوقاحة متصنعة: “أهلاً يا بشمهندس جاسر.. جايبين لك المأذون وننهي المهزلة دي، ولا نسجل عليك بلاغ خ.طف لأنثى؟”

وقف جاسر بكامل طوله والهيبة تملأ عينيه، واقترب من شوقي ببطء شديد يثير الرعب: “تسجل بلاغ؟ أنت نسيت التهجم والشروع في اغتصاب اللي اتسجل بصوت رقية على التليفون لما كلمت أمي؟” تغيرت ملامح شوقي وابتلع ريقه بصعوبة، بينما تقدم شقيق زوج رقية المتوفى وقال: “يا باشا إحنا عاوزين حقنا، رقية كاتبة مؤخر وصداق كبير على أخونا الله يرحمه، وهي تنازلت عنه مقابل إنها تخرج من البيت، وتيجوا أنت أخدتوها؟ دي كدة بتلعب علينا!”

جاسر بابتسامة ساخرة: “رقية ماتخصكوش بقرش.. ورقية من بكرة الصبح هتكون مراتي رسمياً. وأي كائن هيقرب منها أو يحاول يمس كرامتها، حسابه معايا هيبدأ من المشنقة!” طحدهم جميعاً خارج المكتب، لكن قلبه كان يدق بسرعة.. هل قال “ستكون مراتي” حقاً؟ هل كان يبحث عن حمايتها، أم أن الشبه القاتل بينها وبين وردة بدأ يحرك مشاعر ظن أنها ماتت ودفنت مع زوجته؟ في ليلة عقد القران، كان البيت يلفه الهدوء. لم يكن هناك صخب ولا معازيم.

جلس المأذون، وبجواره الحاج عبد الجواد وجاسر. خرجت رقية بفستان أبيض بسيط وحجاب أبيض ناصع، ونقاب يغطي وجهها. كانت تبدو كالملاك. بعد انتهاء مراسم عقد القران وترديد المأذون لـ “بارك الله لكما وبارك عليكما”، قام الجميع. تقدم جاسر نحوها، ومط يده ليمسك بيديها لأول مرة بصفته زوجها الشرعي. ارتجفت يد رقية داخل يده، ولكنها لم تسحبها هذه المرة. جاسر بنبرة دافئة وواثقة: “دلوقتي.. أقدر أقولك نورتي بيتك يا مدام رقية.”

رفعت رقية عينياها الكحليتين من خلف النقاب، وقالت بصوت هادئ يحمل كبرياءً لا ينكسر: “البيت بيتك يا بشمهندس.. بس افتكر كويس، أنا اتجوزتك عشان اتقي الله في نفسي وأحميك وأحمي نفسي من كلام الناس، مش عشان أكون بَديل لـ ‘وردة’ الله يرحمها.. أنا رقية، ومش هقبل أكون ظِل لحد في حياتك.” اتسعت عينا جاسر بصدمة؛ كيف قرأت ما كان يدور في أعماق عقله؟ ابتسم ابتسامة خفيفة لأول مرة منذ عامين، وقال بصوت خفيض لا يسمعه غيرها: “وأنا مش أدور على ظل يا رقية.. أنا يمكن أكون بدور على النور اللي ضاع مني، ويمكن ألاقيه فيكي أنتِ.. بشرط واحد.”

رقية بنبرة تساؤل: “شرط إيه؟” جاسر بجدية وهو ينظر لعينياها بثبات: “إنك تديني فرصة أخليكي تعرفي جاسر الحقيقي.. مش جوز أختك المرحوم.” تركت رقية نظرته تتغلغل في روحها، ثم أومأت برأسها ببطء شديد، لتبدأ قصتهما الحقيقية من تلك اللحظة؛ قصة لم تكن مجرد هروب من الماضي، بل بداية لعهد جديد بين قلبين أرهقتهما الحياة، وجَمعهما القدر تحت سقف واحد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى