طلعت الورقة من الدوسيه الأحادي اللون، وسمعت صوت حفيف الورق وهو بيترج في إيدي.. بس المرة دي إيدي مكنتش بتترعش من الخوف أو الوجع، إيدي كانت بتترعش من الهيبة. هيبة اللحظة اللي حقك بيرجعلك فيها وأنت واقف على حيلك مش مكسور. إبراهيم مد إيده تلقائيًا عشان ياخد الورقة، بس أنا سحبتها بهدوء، وفردتها على الترابيزة الخشب قدام عينيه، جنب كوباية الشاي ذات الحرف المكسور. الستة الملتفين حوالين الكنبة مالوا كلهم ببتوعهم القديمة للأمام، حتى ريهام اللي كانت حاطة إيدها على بطنها كأنها تمتلك العالم، قربت عشان تقرأ.
قلت لهم بنبرة واطية وجديدة عليا، نبرة مش نبرتي اللي اتعودوا عليها على مدار خمس سنين: “إبراهيم فاكر إن البيت ده باسمي ومكتوب باسم نيرة.. وده صح. بس إبراهيم نسى حاجة واحدة، نسى إن أمه ‘الحاجة سناء’ لما شرفتني أول سنة جواز وقالت لي قدام الكل: ‘الست الشاطرة هي اللي تأمن جوزها وتكتب له نص بيتها عشان يحس إنه سيد المكان’.. فاكر يا إبراهيم لما عملت لي مشكلة؟” إبراهيم بلع ريقه وصوته طلع مهزوز: “إنتي.. إنتي كتبتي لي تنازل وقتها؟”
ابتسمت أكتر ورجعت ظهري لورا: “أنا وقتها من حبي فيك ومن عمايا، رحت وكتبت لك فعلاً نص البيت بعقد بيع وشراء ابتدائي.. ورجعت البيت حطيت النسخة في إيدك عشان أرضي غرورك وأرضي أمك اللي كانت شايفة إن وجودك في بيت باسم مرتك يقلل من رجولتك.” حماتي شهقت، وشها أصفر أكتر وقالت بصوت طالع بالعافية: “أهو.. يعني البيت نصين! وإبراهيم من حقه يجيب مراته وعياله يعيشوا في نصيبه! إنتي اللي هتسبيلنا نصك وترحلي بالمعروف بدل ما نقسمه محاكم!”
بصيت لحماتي، ونزلت على ركبتي شوية عشان أكون في مستوى عينها، وقلت لها بصوت حاد زي المشرط: “الورقة اللي في إيد إبراهيم دي.. إبراهيم باع بيها نصيبه ليا تاني من سنة ونص!” الصمت اللي حلّ في الأوضة المرة دي مكنش صمت عادي.. ده كان كأن المكان اتحول لصحراء مفيهاش روح. إبراهيم اتنفض من مكانه: “إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟! أنا مابعتلكيش حاجة! أنا ممضيتش على بيع!” طلعت الورقة التانية.. الورقة الرسمية اللي متوثقة بالختم النسر الميري، وحطيتها تحت عينيه مباشرة.
“فاكر لما شركتك وقعت في أزمة من سنة ونص؟ فاكر لما جيت لي تبكي وتترجاني وأنت بتقول لي يا نيرة الشيكات هتوديني السجن والموردين هيحفلوا عليا؟ فاكر لما طلعت لك ستمية ألف جنيه من البنك، كل تحويشة عمري وشقايا في الحسابات، وبعت صيغتي وذهب أمي عشان أنقذك من الحبس؟” إبراهيم بصل للورقة، عينه كانت بتتوسع بطريقة ترعب.. الخط خطه، والبصمة بصمته، والختم ختم الشهر العقاري. كملت وأنا بصوت ثابت مش بيهتز:
“أنا وقتها مقلتلكش امضي. بس أنت من كسفتك ومن خوفك، وأنت واقف تحت رجلي بتترجاني أنقذك، كتبت لي إقرار وإعادة بيع لنصيبك المزعوم مقابل المبلغ اللي دفعهولك البنك بالقرش والصاغ.. وفوقيهم بند واضح صريح: تنازل غير مشروط عن أي حق في الإقامة أو الانتفاع أو المطالبة بالبيت حتى في حالة الطلاق.” حماتي قامت واقفة، أيديها كانت بتترعش وهي بتشاور عليا: “إنتي.. إنتي خدعتي ابني؟ إنتي عملتي فيه كده؟” رُدي كان أسرع من الرمش:
“أنا مخدعتوش يا حاجة سناء. أنا أنقذته من السجن لما أنتِ وأبوه وأخته مفكرتوش تبيعوا حتة أرض أو غويشة عشان تشيلوا عنه الديون. أنا شلت عنه السجن، وهو رد لي الجميل بإن جايب لي واحدة في بيتي وعلى كنبة أمي ويقول لي امشي!” بصيت لريهام.. البنت اللي كانت قاعدة بقمة الثقة. وشها تحول لكتلة من الخوف والذهول. بصلت لإبراهيم ونطقت بصوت مكتوم: “إبراهيم.. أنت مش قلت لي إن البيت بيتك؟ أنت مش قلت لي إنك سايب لها شقة صغيرة وهي اللي هتخرج لأن ملهاش حق؟”
إبراهيم كان واقف مش قادر ينطق بكلمة.. عينيه رايحة بين أمه وبين الورقة وبين مراته الجديدة اللي اكتشفت في ثانية واحدة إن القصر اللي كانت حلمت بيه وتخيلت إنها ورثته.. مطلعش غير سراب. اخت إبراهيم قامت تحاول تلطف الجو بصوت مرتبك: “يا نيرة.. إحنا ألمحنا.. إحنا أهل، والمسامح كريم والعيل اللي جاي ده ابن أخونا..” قطعت كلامها بصافرة هادية من بين سناني، وبصيت لهم بكل برود الدنيا: “الأهل ما بيدخلوش بيت بنتها ويقولوا لها العصر ‘شيلي شنطتك وامشي’ عشان غريبة تقعد مكانك. الأهل ما بيمحوش شقى ست فضلت تلبس نفس الطقم كذا شتا عشان تبني بيت سترة لبنتها.”
وقفت عند باب الصالة، وفتحت الباب على آخره. الهوا البارد بتاع غروب الشمس دخل المكان، وريحته كانت مخلياني أحس إن أخيرًا برئتي بيدخلها أكسجين نقي. شورت على الباب وقلت: “البيت ده.. شجرة الجوافة اللي بره دي، السقف ده، والكنبة دي.. ملك نيرة بن فاطمة. ومفيش مخلوق على وجه الأرض يقدر يطردني منه. قدامكم خمس دقايق.. تاخدوا بعضكم، وتطلعوا بره باب الجنينة. وإبراهيم يبعت لي ورقتي على يد محامي، والشنطة اللي فيها هدومه هتوصله على بيت أمه بكرة الصبح.”
حماتي حاولت تتكلم، بس أبوه مسكها من إيدها وهو مش قادر يرفع عينيه في عينيا.. كان عارف إن الموقف منتهي، وإن الكبرياء اللي دخلوا بيه اتكسر تحت جزمتهم في لحظة. ريهام قامت بسرعة، شالت شنطتها ومشت وهي بتبص لإبراهيم بقرص وغل، وكأنها بتقول له ‘أنت ضحكت عليا’. وإبراهيم.. وقف شوية عند الباب، بص لي بؤبؤ عينيه المليان حسرة وندم، كان عايز يقول حاجة، يمكن اعتذار، يمكن رجاء.. بس أنا قطعت النظر بيني وبينه، ولفيت ضهري.
سمعت صوت خطواتهم وهي بتطلع بره، وصوت باب الجنينة الحديد وهو بيتقفل وراهم. مشيت بالراحة.. قعدت على الكنبة، نفس الكنبة اللي أمي اشترتها لي. مسكت كوباية الشاي ذات الحرف المكسور، وحطيتها على خدّي. البيت كان ساكت.. بس المرة دي، السكوت مكنش مرعب. السكوت كان شبه الأمان اللي أمي حاربت طول عمرها عشان تسيبهولي.