منوعات

حماتي عايزه كليتي

وقفت قدام الباب، إيدي معلقة في الهوا، ونفسي محبوس. أحمد كان بيتكلم بصوت واطي بس فيه نبرة فرحة خبيثة، كان بيكلم “دنيا”: — “خلاص يا حبيبتي، كلها كام ساعة والعملية تخلص… أمي هتاخد الكلية، ومروة هتفضل نايمة تحت تأثير البنج يومين. أنا جهزت ورق التنازل عن نصيبها في الشركة، وحطيته وسط أوراق المستشفى وهي هتمضي عليه وهي مش مركزة.. أول ما كل حاجة تخلص، الطلاق هيوصلها، ونتجوز وننقل حياتنا كلها بالتجمع.”

في اللحظة دي، الدنيا لفّت بيّا. الأرض تهتز تحت رجلي، بس فجأة… هدوء غريب نزل على قلبي. الانهيار اللي كان المفروض يحصل أتحول لصلابة زي الحديد. دموعي جفت في ثانية. مشيت بالراحة وبكل هدوء من قدام الأوضة، ونزلت لمكتب قسم التبرع بالأعضاء والإدارة الطبية في دار الفؤاد. طلبت رئيس أطباء الجراحة: — “دكتور… أنا ساحبة موافقتي على التبرع. فوراً.” الدكتور اتصدم: — “يا مدام مروة.. التجهيزات تمت، وحماتك…” قاطعة بصوت ثابت مفيش فيه نقطة تردد:

— “ده جسدي، وده حقي القانوني والطبي. أنا سحبت الموافقتي الرسمية، ومش عايزه حد يعرف في الأوضة فوق لحد ما أخرج من المستشفى.” سحبت الاستمارة، وقعت على إلغاء التبرع للأبد، وأخدت صورة رسمية مختومة من الإلغاء، وحطيتها في شنطتي جنب صور الفواتير وكشوف التحويلات البنكية ومستندات الشركة. رجعت الأوضة فوق. الحاجة أمينة كانت لسه دايخة من بنج النصفي أو المهدئات اللي أخدتها لما ضغطها علي، ودخلوا أحمد وأمه الأوضة بعد ما تأجلت العملية للظهر.

وفجأة… الحاجة أمينة فتحت عينيها، وبصتلي بكره وسواد عمره ما اتغير، وشاورتلي بصباعها بترعش على الباب، وقالت جملتها اللي فاكراها كلمة كلمة: — “خلاص… إنتِ عملتي اللي عليكي. طالما ادّتيني كليتك، يبقى دورك خلص. لُمّي هدومك وامشي من العيلة دي… ابني يتجوز اللي من مستواه.” أحمد وشه اصفر، واتخض لأن أمه كشفت الملعوب بدري قبل ما يضمنوا التنازل عن الشركة! أنا بصيت لأحمد، وبصيت لحماتي… وابتسمت. ابتسامة هادية جدًا أربكتهم هم الاتنين.

— “بتقولي إيه يا حاجة؟ كليتي؟” حماتي زعقت بصوت مجهد: — “أيوة! كليتك اللي جوه جسمي دلوقت! أهو أخدنا منك فايدة قبل ما نرميكي!” قربت من السرير خطوتين، وطلعت ورقة مطوية من شنطتي، وحطيتها في إيد أحمد. — “اقرأ يا أحمد… اقرأ بلسانك عشان الحاجة تسمع.” أحمد مسك الورقة، وعينيه كانت بتتحرك بسرعة بين السطور، ووشه بيتحول من الأصفر للابيض الشفاف زي الجثة. أيده بدأت تترعش لدرجة إن الورقة كانت بتعمل صوت.

— “إيه… إيه ده يا مروة؟ إلغاء تبرع؟!” حماتي اتنفضت على السرير: — “يعني إيه؟! يعني الكلية اللي جوايا دي…” رديت عليها بصوت ناعم زي الحرير بس يقطع زي الموس: — “الكلية اللي جواكي دي كليتك القديمة البايظة يا حاجة أمينة… الدكاترة ما لمسوكيش، العملية اتلغت عشان ضغطك علي، وأنا الصبح الساعة 7 صباحاً سحبت موافقتي للأبد. كليتي في جنبي.. ومش هتتاخد لحاجة أمينة، ولا لأي حد من طرفكم.” حماتي بدأت تصرخ وتلطم على وشها وهي بتستوعب إنها لسه مريضة فشل كلوي ومفيش متبرع، وأحمد مسك إيدي بلهفة ورعب:

— “مروة! أنتِ بتعملي إيه؟! أمي هتموت! ارجعي في كلامك ونبي، كل اللي عايزاه هعملهولك!” زقيت إيده بقوة وقرف: — “الشركة اللي بنيتها معاك من الصفر؟ التحويلات اللي لشركة ‘دنيا رفعت’ الوهمية؟ الفندق؟ ساعات الهدية؟ الفواتير كلها معايا على السحابة، والنسخ الورقية مع المحامي بتاعي من ساعة فاتت.” أحمد انهار: — “مروة افهميني…”

— “أنا فهمت كل حاجة من 10 سنين يا أحمد.. بس الفهم جه متأخر. الشركة دي باسمك ورقيًا، بس الحسابات والمدفوعات والموردين والعملاء في إيدي أنا. من بكرة الصبح، كل حسابات الشركة المادية موقوفة بأمر من الضرائب والنيابة العامة بسبب التلاعب الفواتير والتهرب اللي أنت عملته مع شركة دنيا.” طلبت شنطتي، ولبست نظارتي الشمسية، وبصيت لحماتي اللي كانت بتعيط وبتبصلي برجاء وحسرة: — “أما بالنسبة لشوربة أمي الأرياف اللي اترمّت في الحوض… فربنا ردّ لها حقها، والمرة دي مش الشوربة اللي هتترمى.. أنتم اللي خرجتم من حياتي للتراب.”

لفيت وشي ومشيت في الطرقة. أحمد جرى ورايا وهو بيبكي وبيترجاني في وسط المستشفى وجمود الناس، بس أنا ما بصيتش ورايا ولا خطوة. بعد 6 أشهر… أنشأت شركتي الخاصة لتوريد قطع الغيار. العملاء اللي كانوا بيتعاملوا مع أحمد سابوه لما عرفوا إن الماكينة الحقيقية للعمل كانت أنا، وإن حسابه البنكي محظور بسبب قضايا التهرب المالي. أحمد أضطر يبيع محله والورشة عشان يدفع التعويضات والديون، ودنيا سابته في أول أزمة مالية. وحماتي بتمشي كل أسبوع تعمل غسيل كلى، وكل ما تشوف الكانيولا في إيدها، بتتذكر إن كان ممكن تكون سليمة… لو بس كانت بني آدمة.

أما أنا؟ فقاعد مع أمي في بيتنا ، بنشرب الشاي، وأمي بتضحك من قلبها… وأنا بتنفس لأول مرة حرية ونظافة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى