اندفع “ماجد” نحو الشارع كالمجنون، يلتفت يميناً ويساراً وسط الظلام والدماء تغلي في عروقه من الندم. كانت برودة الليل تلطم وجهه، لكن الحرارة التي تشعل صدره كانت أشد. أنفاسه متقطعة، وعقله يكرر المشهد كشريط مرعب: دموعها، رجاؤها، واللكمات التي انهال بها عليها وهو أعمى بظنونه. لم تكن قد ابتعدت كثيراً بسبب إعيائها وانخفاض السكر في جسدها. وجدها كالملاك المكسور على بعد خطوات من البناية، متكئة على جدار متهالك، تنهمر دموعها بصمت وجسدها يرتجف بلا توقف.
عندما اقترب منها، انكمشت على نفسها ورُعب الدنيا يستقر في عينيها، صرخ بصوت خنقته العبرات: ـ “شهد… ارجوكي… متخافيش مني!” سقط على ركبتيه أمامها في الشارع، بلا أي كبرياء، ومد يده المرتجفة يحاول لمس كتفها، لكنها صرخت بهستيريا وهي تتراجع للخلف: ـ “ابعد عني! متلمسنيش تاني… والله ما عملت حاجة غلط، والله العظيم دا ابنك!” ـ “عارف… عارف والله، الدكتور كلمني! أنا اللي غبي… أنا اللي ظالم يا شهد، سامحيني يا شهد اضربيني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس اركبي معايا ونروح المستشفى الأول نطمن عليكِ وعلى اللي في بطنك!”
كانت كلمة “الدكتور كلمني” كفيلة بوقف صراخها، تطلعت إليه بذهول، وعيناها المنتفختان تنطقان بقهر سنوات من الصمت والتحمل. لم تنطق بحرف، بل خانه جسدها المرهق تماماً، واستسلمت للإغماء بين يديه. مرت الساعات في المستشفى كأنها سنون. كان “ماجد” يجلس على الأرض أمام غرفة الطوارئ، يرأس يديه بركبتيه، ويتضرع إلى الله ألا يدفع ثمن طيشه وشكه في أغلى ما يملك. خرج الطبيب أخيراً والوجوم يكسو وجهه: ـ “الحمد لله، استقر وضع الجنين، بس المدام تعرضت لصدمة عصبيّة ونفسية شديدة جداً، غير الكدمات وانخفاض السكر. ضربة وحدة زيادة كانت ممكن تسبب إجهاض فوراً. محتاجة راحة تامة، وممنوع أي انفعال.”
دخل إليها “ماجد” بخطوات ثقيلة كأنه يدخل ساحة إعدامه. كانت تستلقي على الفراش، وجهها شاحب كالموت، وتنظر إلى السقف بفراغ تام. اقترب منها بخنوع، وجلس على طرف الفراش: ـ “شهد… أنا عارف إن كلمة آسف مش هتكفي، ولا حتى لو قطعت من جسمي وأعطيتك هعوضك عن لحظة رعب عشتيها بسببي. بس ارجوكي… اديني فرصة واحدة أصلح اللي بوظته.” التفتت إليه ببطء شديد، وعيناها الخاليتان من أي مشاعر جعلتا قلبه يعتصر ألماً. تحدثت بنبرة هادئة… هدوء ما قبل العاصفة:
ـ “أنا اتجوزتك في السر عشان بحبك، واستحملت نظرات الشك، واستحملت حرمان الأمومة عشان أكون معاك… وفي أول لحظة ربنا جبرنا فيها، أهنتني، وضربتني، وشككت في شرفي.” ثم مسحت دمعة شاردة وتابعت بقسوة لم يعهدها منها: ـ “أنا مش زعلانة منك يا ماجد… أنا زعلانة من نفسي. الطفل ده هييجي الدنيا، بس أنت خلاص… خرجت من حياتي.” ـ “شهد! أنتِ طالق… أنا عارف إنها طلعت مني في لحظة غضب، بس أنا مش هسيبك، والله ما هفرط فيكي!”
ابتسمت بسخرية وهي تنظر للشباك: ـ “بالظبط… أنت رميت اليمين ورصيدك عندي خلص. الحرمة اللي بيننا انتهت.” مرت الأسابيع، وخُرجت “شهد” من المستشفى لتعيش في شقة صغيرة أستأجرتها بعيداً عن الجميع. رفضت تماماً العودة لـ “ماجد” أو قبول أي قرش منه، وعادت لممارسة عملها البسيط في التصميم من المنزل لتصرف على نفسها وعلى جنينها. أما “ماجد”، فقد تحولت حياته إلى جحيم من الندم. ترك عمله جانباً، وصار كالمطارد يلتمس أخباره من بعيد. كان يقف بالساعات تحت بنايتها في الليالي البرد، يراقب ضوء غرفتها من بعيد ليطمئن أنها بخير.
حاول بشتى الطرق، أرسل لها وسائط من معارفها، وجعل الطبيب يتدخل ليشرح لها كم كان الموقف ملتبساً، لكن كبرياءها وجرحها كانا أكبر من كل المبررات. في أحد الأيام الماطرة، وأثناء نزولها من البناية لشراء بعض المستلزمات، انزلقت قدمها على الدرج المتصلب من المطر، وكادت تسقط سقوطاً مدوياً لولا يد قوية امتدت في الكسر من الثانية لتمسك بها وتتحمل هي الصدمة بدلاً عنها! سقط “ماجد” على الأرض بقوة وهو يحتضنها ليحميها بحديث جسده، بينما تأذت قدمه هو بشدة وسُمع صوت التواء مفصله.
حبست “شهد” أنفاسها وهي تراه يتأوه من الألم لكنه لم يهتم بقدمه، بل كان كل همّه أن يسألها بلهفة ورعب: ـ “أنتِ كويسة؟! الجنين جراله حاجة؟! اتخبطتي؟!” نظرت في عينيه المليئتين بالخوف الحقيقي عليها وعلى طفلهما، ولأول مرة منذ تلك الليلة الشؤماء، لمست الصدق المطلق في ندِمه. ـ “أنت… رجلك بتنزف يا ماجد…” قيلت بنبرة اهتزت فيها قسوتها لأول مرة. ابتسم بألم وهو يحاول الوقوف: ـ “المهم أنتِ والطفل بخير… لو جرالك حاجة بسببي تاني، أنا ما كنتش هسامح نفسي طول عمري.”
أمسكت بيده لتعينه على النهوض، وكانت تلك أول لمسة بينهما منذ أشهر. نظر إليها بعينين خاضعتين وقال: ـ “أنا مش بطلب منك ترجعيلي دلوقتي يا شهد… ولا بطلب إنك تنسي. أنا بس بطلب تسمحيلي أكون موجود… في الظل، أخدمك وأحميكِ لحد ما تقرري.” تطلع كلاهما للآخر وسط هطول المطر المتزايد، وبينما كان الجرح عميقاً ولا يُشفى بسهولة، إلا أن الشك الذي دمّر بيتهما قد مات للأبد، وبدأت بذرة أمل جديدة تنبت وسط الركام…