منوعات

سلفتي بعتتلي كيس لحمه

وقفتُ مكاني في المطبخ، والجيلاتين البارد يملأ عروقي. نظراتي تسمرت على درج الملاعق. يدي امتدت ببطء، دقات قلبي كانت أسرع من صوت عقارب الساعة المعلقة على الحائط. فتحتُ الدرج… هناك، بين الملاعق الفضية، كان يقبع الظرف البلاستيكي الصغير. كان شفافاً، لكنه ملفوف بشريط لاصق أسود عريض يخفي معالمه تماماً. لمسته بأطراف أصابعي، ففوجئت بأنه ثقيل الوزن مقارنة بحجمه، وبه بروزات حادة كأنه يحتوي على قطع معدنية صغيرة أو أحجار. في تلك اللحظة، رنّ هاتفي مجدداً. كان زوجي “طارق”.

فتحت الخط فوراً، وقبل أن أنطق بكلمة، جاءني صوته من الطرف الآخر يلهث كأنه يركض: — إيمان! أنتِ لسه في المطبخ؟ لقيتي حاجة؟ حاولت السيطرة على نبرة صوتي وقلت: — طارق.. فهمني في إيه؟ الكيس اللي اختفى من فريزر مامتك ده فيه إيه؟ وليه مامتك بتصرخ وتقول متفتحيش حاجة؟ ساد الصمت لثانيتين، لم أسمع فيهما سوى أنفاسه المتلاحقة، ثم قال بصوت خفيض ومرعوب: — إيمان.. اسمعيني كويس. لو لقيتي ظرف أو أي حاجة غريبة وقعت من كيس اللحمة، إياكِ تفتحيها، وإياكِ تخلي حد يعرف. أنا جاي في الطريق.. ربع ساعة وأكون عندك. اقفلي الباب بالترباس.

قفل الخط. تضاعف شكي وخوفي. سحبتُ يدي من الدرج وتراجعت للخلف. “ماذا يمكن أن يكون في هذا الظرف؟ هل هو سحر؟ عمل سفلي؟ أم مخدرات؟ أم شيء يخص عمل طارق؟” لم أستطع الانتظار. الفضول والخوف كانا ينهشان عقلي. ركضتُ نحو الباب وتأكدت من إغلاقه بالترباس كما قال. ثم عدتُ إلى المطبخ. أحضرتُ قفازات التنظيف البلاستيكية وارتديتها، وأمسكتُ بسـ,ـكين حاد. أخرجتُ الظرف الأسود ووضعته على طاولة المطبخ تحت الإضاءة المباشرة. بدأتُ أقطع الشريط اللاصق الأسود بحذر شديد.

عندما انقشع الشريط، ظهر كيس بلاستيكي شفاف سميك، وبداخله ثلاثة أشياء جعلت عقلي يتوقف عن التفكير: مفتاح حديدي قديم ضخم، من تلك المفاتيح التي تفتح أبواب البيوت القديمة أو الخزائن الحديدية العتيقة. ورقة مطوية بعناية، يظهر من خلفها خط يدوي باللون الأحمر. خاتم ذهبي رجالي عريض، محفور عليه حرفان بالإنجليزية (M.A). تصلبتُ في مكاني. الحرفان (M.A) هما الحرفان الأولان من اسم “محمود أحمد”.. عم زوجي! لكن عم زوجي اختفى في ظروف غامضة منذ سبع سنوات، وانقطعت أخباره تماماً، وظنت العائلة كلها أنه سافر خارج البلاد أو توفـ,ـي دون أن يعلم أحد.

فتحتُ الورقة المطوية بضعفات متتالية. لم يكن مكتوباً فيها طـ,ـلاسم أو سحر، بل كانت رسالة قصيرة، بخط يد مهتز، مكتوب فيها: “إيمان.. أنا عارفة إنك الوحيدة اللي بتدخلي المطبخ ومبتفتشيش ورا طارق، وعارفة إن طارق لو شاف الكيس ده هيمـ,ـوتني أو هيحبسني. المفتاح ده بيفتح الخزنة القديمة اللي في شقة عمك محمود في البلد. طارق هو اللي أخد فلوس عمه، وهو اللي مخبيه طول السنين دي في بيت المزرعة المهجور عشان ياخد ورثه. طارق مش الملاك اللي أنتِ متجوزاه يا بنتي.. أنقذي عمك قبل ما طارق يخلص عليه، الكيس ده أمانة عندك عشان لو جرا لي حاجة.”

شعرتُ بركبتيَّ لا تقويان على حملي، فسقطتُ على مقعد المطبخ. زوجي.. طارق.. الإنسان الهادئ، الحنون، الذي يعشـ,ـقني.. يخفي عمه طوال سبع سنوات؟ ووالدته تعرف؟ فجأة، انتبهتُ لشيء مرعب.. حماتي أرسلت الكيس لي عبر سلفتي لتضمن أن يظل بعيداً عن طارق، وحين جاء طارق وأخذ الكيس ليعيده لأمه، صدمت الأم وظنت أن طارق اكتشف الخطة وأخذ المفتاح والرسالة، لذلك صرخت في الهاتف “الكيس اختفى!”.. هي كانت تقصد الظرف! هي لم تكن تعلم أن الظرف سقط عندي في المطبخ قبل أن يأخذ طارق اللحمة!

إذن، طارق حتى الآن لا يعلم أن الظرف معي.. هو يظن أن أمه خبأته في مكان آخر، أو أن هناك مصـ,ـيبة تجري خلف ظهره. وفي وسط هذه الدوامة من الأفكار، سمعتُ صوتاً هزّ أركان البيت.. صوت مفتاح يدور في قفل الباب الخارجي.. ثم محاولة لدفعه بقوة. طارق وصل.. وهو يحاول فتح الباب، لكن الترباس يمنعه! بدأ يطرق الباب بعنـ,ـف وصوته يملأ الممر: — إيمان! افتحي الباب! إيمان أنتِ جوه؟! افتحي!

نظرتُ إلى الطاولة.. المفتاح، الخاتم، والرسالة بالخط الأحمر كلها مكشوفة أمامي. والقفازات في يدي. لو فتحتُ الباب الآن، سيعلم أنني عرفت حقيقته.. ولو لم أفتح، سيحطم الباب. خطرت لي فكرة مجنونة. التقطتُ الهاتف بسرعة، وجمعتُ الأغراض الثلاثة وأعدتها داخل الظرف، وبسرعة البرق صعدتُ فوق كرسي المطبخ وخبأت الظرف في الفتحة العلوية لشفاط المطبخ حيث لا يمكن لأحد رؤيته. خلعتُ القفازات وألقيتها في سلة المهملات، وركضتُ نحو الباب وأنا أتظاهر بالذعر والدموع في عيني.

فتحتُ الترباس.. اندفع طارق إلى الداخل كالإعصار. كان وجهه شاحباً كالمـ,ـوتى، وعرقه يتصبب، وعيناه تشتعلان بالجنون والتوجس. أمسك بكتفيَّ بقوة وقال وهو ينظر في عيني مباشرة: — تأخرتي ليه في الفتح؟ لقيتي حاجة في المطبخ؟ أنطقي يا إيمان! نظرتُ إليه بخوف مصطنع وقلت وأنا أرتجف: — لاء.. ملقيتش حاجة! أنت رعبتني، وباب المطبخ كان مقفول ومسمعتكش في الأول.. في إيه يا طارق؟ مامتك مالها؟ وأنت مخبي عني إيه؟ ترك كتفيَّ وتحرك ببطء نحو المطبخ. دخل وعيناه تمسحان كل إنش في المكان. نظر إلى الأرض، ثم إلى الثلاجة، ثم اقترب من درج الملاعق..

حبستُ أنفاسي.. وقلبي كاد يتوقف. مد يده وفتح درج الملاعق.. وقلّب الملاعق بعنف وهو يبحث عن شيء ما.. ولم يجد شيئاً. تنفس الصعداء، والالتفاتة التي التفتها إليّ كانت مليئة بالشك، لكنه حاول أن يبتسم ابتسامة صفراء باهتة، وقال وهو يمسح عرقه: — مفيش.. مفيش حاجة يا حبيبتي.. أمي كبرت وخرفت، وتهيأ لها إنها شالت أوراق مهمة في كيس اللحمة، ولما ملقتهاش قلبت الدنيا. فداكي وفداها.. المهم أنتِ كويسة؟ أومأتُ برأسي وقلت: “كويسة”.. لكنني في داخلي كنت أعلم أن حياتي المستقرة الهادئة قد انتهت إلى الأبد.

في تلك الليلة، تظاهرتُ بالنوم، لكن عيني لم تغمض. انتظرتُ حتى تعالت أنفاس طارق المنتظمة في نومه العميق. تسللتُ من السرير بخطوات قطة، وتوجهتُ إلى المطبخ. أخرجتُ الظرف من الشفاط، وأمسكتُ بهاتفي، وقمت بتصوير الرسالة والمفتاح والخاتم بدقة عالية، وأرسلت الصور إلى رقم سري آخر أمتلكه للاحتفاظ بنسخة احتياطية. ثم أعدت الظرف إلى مكانه. الآن، أنا لست مجرد زوجة.. أنا أملك الدليل الذي قد ينهي حياة زوجي أو ينقذ حياة رجل بريء.

الساعة الآن الثالثة فجراً.. غداً صباحاً، عندما يذهب طارق إلى عمله، سأخذ هذا المفتاح، وسأتوجه  فوراً إلى بيت المزرعة القديم في البلد.. لأرى بنفسي ما الذي يخبئه زوجي في الظلام!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى