منوعات

البيت المقفول

أنفاسي كانت بتتسارع بشكل جنوني، ونبضات قلبي حسيت بيها في زوري. التفتّ حوليا في الصالة والراهبة والمكان فاضي، مفيش غير صوت أنفاسي المرعوبة والرسالة المكتوبة بالتراب أو حاجة شبه الدم على المراية: “لو خرجتي دلوقتي… هتمو.تي. ولو فضلتي… هتعرفي الحقيقة.” مسكت مقبض الباب الرئيسي بقوة، وعقلي بيصرخ فيّا عشان أهرب، بس افتكرت كلماته: “لو خرجتي هتمو.تي”. ممدتش إيدي على الباب. بدل كدة، سحبت خطاي للورا، وعيني مش مفارقة الأوضة اللي فيها الصور.

دخلت الأوضة من تاني، ورميت عيني على الصور المتعلّقة. ركّزت في الصورة الأخيرة… الصورة اللي متصورة لي من أسبوع بس أمام مقر شغلي. دققت في زاوية الصورة، ولقيت في الانعكاس على زجاج عربية ورايا… خيال راجل واقف بيمسك كاميرا، ولابسة ساعة يد فضية شكلها غريب جداً، لفيها حفر يدوي على شكل ثعبان بيلف حولين حجر أحمر. الساعة دي… أنا شفتها قبل كدة! دي كانت ساعة خالي المحببة اللي مش بيقلعها من إيده أبداً!

فجأة، سمعت صوت تكة واطية، كأن فيه باب مسحور أو درج سرّي بيتفتح. الصوت كان جاي من ورا المكتبة القديمة اللي في أصل الأوضة. حركت المكتبة بجهد وإيدي بتترعش، ولقت وراها باب خشبي صغير جداً، مفيهوش أوكرة، بس فيه فتحة على شكل… نفس حجر الساعة! بدون ما أفكر، افتكرت إن خالي ساب لي مع مفاتيح الشقة ميدالية فيها فص أحمر صغير كنت فاكراه مجرد زينة. طلعت الميدالية من جبي، وحطيت الفص في الفتحة. الباب اتفتح بصوت حفيف، وظهر وراه سلم ضيق نازل للأسفل… للتحت، في عمق العمارة!

نزلت الخطوات وحدة وحدة، وضوء كشاف موبايلي بيقطع الضلمة الكاحلة. أخيرًا وصلت لأوضة صغيرة تحت الأرض، ريحتها جير وأوراق قديمة. في نص الأوضة كان فيه مكتب، وعليه مذكرات خالي ومُسجل صوت قديم بشريط كاسيت. شغّلت المُسجل… وصوت خالي الهادي خرج منه، بس المرة دي كان فيه نبرة خوف عمري ما سمعتها منه: “سلمى… لو بتسمعي الشريط ده، يبقا أنا مت، وأنتي فتحتي الباب السري. أنا ما كتبتلكيش الشقة دي عشان بحبك بس… أنا كتبتلك الشقة عشان أحميكي. العمارة دي مش عمارة عادية، والشخص اللي سمعتي صوته فوق… ده مش جني ولا روح. ده ‘عماد’… شريكي القديم.”

الصوت اتوقف لحظة بفرقعة في الشريط، وبعدين كمل: “من 18 سنة، أنا وعماد اكتشفنا سر خطير في أرض العمارة دي… سر عن عيلتك أنتي يا سلمى. عيلتك ما كانتش مجرد ناس عاديين، أبوكي قبل ما يمو.ت ساب وثائق وأملاك بتسوى ملايين ومحدش يعرف مكانها غيرك أنتي… عن طريق شفرة موراثية في صورك القديمة اللي سبتهالك. عماد كان عاوز يق.تلك وأنتي طفلة عشان يأخد كل حاجة، فأنا قفلت الشقة، وأقنعته إني أختفيت وأنتظرت لما تكبري عشان تسلمي الشفرة لنفسك. القهوة الدافيّة فوق… دي كانت علامته، هو كان مستنيكي هنا من الصبح… هو معاكي في الشقة يا سلمى! أهربي!”

قبل ما الشريط يخلص، سمعت صوت خطوة ثقيلة نازلة على السلم الخشبي ورايا. سحبت النور بعيد عن الشريط ووجهته ناحية السلم… كان واقف هناك، راجل عجوز بملامح حادة، وفي إيده نفس الساعة الفضية… وبإيده التانية مسدس! ابتسم ابتسامة مرعبة وقال: “خالك كان فاكر إنه بيحميكي لما يخبيكي… بس هو مجرد أخر وصولك لي. أهلاً بيكي في بيتك يا سلمى… دلوقتي اديني الخريطة اللي في ألبوم الصور، وإلا مش هتطلعي من هنا حيّة.”

في لحظة خاطفة، أدركت إن الأوضة دي فيها مفتاح الكهرباء الرئيسي للعمارة اللي خالي حكالي عنه زمان. وبدل ما أصرخ أو أستسلم، رميت موبايلي على الأرض ناحيته عشان أشتت انتباهه، وضغطت على زرار الكهرباء الرئيسي! المكان غرق في ظلام دامس. عماد صرخ وصوت ض.ربة نا.ر رنّت في الأوضة وضربت في الحيطة جنبي. استغليت معرفتي بالمكان اللي خالي شرحه في أوراقه، وانسحبت في الضلمة بسرعة من طريق جانبي ضيق بيمشي ورا الجدران وبيطلع على منور العمارة.

طلعت أجري في المنور ونزلت الشارع وأنا بصرخ، والناس والبواب اتجمعوا حوليا. البواب لما شافني طالعة بتبكي وبلهث، قرب مني ووشه أصفر وقال: “قلتلك ما تفتحيش…” بس المرة دي، أخدت موبايلي وطلبت الشرطة فوراً. بعد ساعتين، الشرطة دخلت الأوضة السرية وقبضت على عماد، ولقوا شبكة كاملة من النصب والت.زوير ومستندات تدينه بتهم كتير من ض.منها ق.تل خالي بالبطيء عن طريق الس.م! الشقة دي ما كانتش مجرد ورث… كانت المصيدة اللي نصبها خالي قبل ما يمو.ت عشان يوقع عماد، ويكون أخر عمل يعمله هو إنه ينقذ حياتي ويرجع لي حقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى