مرّت الأيام الأولى في الشقة الهادئة مثل حلم بطيء. مصطفى يهرب كل صباح إلى عمله بالشركة، ويعود ليلاً ليجد البيت معطراً برائحة البخور والمسك، والطعام الساخن ينتظره على الطاولة. عايدة لم تتذمر، لم تطالبه بشيء، ولم تتطرق مطلقاً لموضوع “الغرفة الصغيرة” أو الطلاق المؤجل. كانت تتعامل معه بودّ وفطرة نقية، تبتسم في وجهه، وتضع له الفطور قبل أن يستيقظ، وتتركه لخصوصيته دون أن تُشعره بالثقل. هذا الهدوء كان يذبح مصطفى. كل ليلة يجلس في غرفته الصغيرة، يسمع أقدامها الخفيفة في الصالة، ويجلد نفسه: “امرأة بهذه الرقة والجمال، حرمتُها من أبسط حقوقها بسبب عقمي وندوبي من تجربة سابقة.”
لكن ما لم يكن يعلمه مصطفى، أن عايدة كانت تبني حسور الثقة حجراً بحجر. في أحد الأيام، وعن غير قصد، وهي تنظف الأدراج القديمة في مكتبه، وجدت ملفاً طبياً يحمل اسم منار طليقته. طالعت الفحوصات بفضول، لتكتشف المفاجأة: الفحوصات كانت تشير بوضوح إلى أن منار هي من تعاني من انسداد وتكيسات حادة تمنع الإنجاب، بينما تقارير مصطفى كانت سليمة تماماً! أدركت عايدة الحقيقة فوراً. منار أقنعته طوال سنوات زواجهما بأنه هو السبب، وشرعت في إهانتهم وإذلال كبريائه لدارية عيبها، ومصطفى شهامته وطيبته جعلتاه يصدقها دون أن يدقق في أوراق الطبية التي خبأها واكتفى بكلماتها القاسية قبل الفراق.
في الليلة التالية، كان المطر يهطل بغزارة خارج الشقة. خرج مصطفى من غرفته ليلاً ليشرب الماء، فوجد عايدة تجلس في الصالة، تتابع النشرة والضوء خافت. قالت له بنبرة دافئة: “مصطفى… ممكن تقعد معايا خمس دقايق؟” جلس على الطرف الآخر من الكنبة، والارتباك يملؤه كالعادة. أخرجت عايدة الظرف الأبيض وحطته أمامه على الترابيزة. تسمر مصطفى في مكانه، وزادت نبضات قلبه عندما رأى التقارير الطبية. قال بصوت متقطع وهو يحاول سحب الأوراق: “أنتِ فتحتي أدراجي؟ دي أوراق قديمة مالهاش قيمة…”
قالت عايدة بهدوء وثبات، وهي تضع يدها الناعمة فوق يده لأول مرة منذ زواجهما: “دي أوراق بتثبت إنك مظلوم يا مصطفى. أنت مش عقيم… منار هي اللي خدعتك وسرقت منك سنين من حياتك عشان تحمي نفسها قدام أهلها.” اتسعت حدقتا مصطفى، وتجمد الدم في عروقه: “أنتِ بتقولي إيه؟ الأطباء قالوا…” قطعت كلامه بنبرة حنونة: “الأطباء قالوا إنك سليم 100%. التقرير اللي في إيدك ده يخصها هي. أنت صدقتها عشان أنت راجل راقي وما شكيتش فيها، وهي استغلت ده عشان تكسر نفسك.”
ساد الصمت الشديد في الغرفة، لم يُسمع سوى صوت المطر بالخارج وضجيج أفكاره. نظر مصطفى في الأوراق، وقرأ المصطلحات الطبية بتمعن لأول مرة. كبرياؤه المطحون بدأ يتجمع من جديد، والندبة التي كانت تنزف في قلبه بدأت تتلاشى. دمعة حبسها لسنوات انفرطت من عينيه وهو ينظر لعايدة بذهول. سألها بصوت خافت ومبحوح: “وليه بتقوليلي ده دلوقتي؟ ما كان ممكن تطلبي الطلاق وتطلعي من الورطة دي؟”
ابتسمت عايدة ابتسامتها الهادئة التي تأسر الروح، وقالت: “عشان أنا مش عايزة أطلع. أنا اخترتك أنت يا مصطفى، مش عشان تخلف مني، ولا عشان تسيبني لأحد تاني. أنا شفت فيك راجل حنين وشهم، راجل يتقفل عليه الباب ويتحط في النني… والأهم من ده، إني متأكدة إن بيتنا ده هيتملى بصوت عيالنا قريب جداً.” كلماتها كانت كالمصل الذي شفى كل جراحه. لم يحتمل مصطفى شلال المشاعر الذي فاض بداخلة؛ قام من مكانه وقرب منها، مسح دموعها واحت.ضن يديها بين يديه. الشك الذي كان يق.تله، والخو.ف الذي كان يبعده عنها، تحولا في لحظة إلى يقين وأمل.
وفي صباح اليوم التالي، في بيت والد منار… كانت منار تجلس على أعصابها، تأكل أظافرها من التوتر، تتصل بمعارفها لتسأل إن كان هناك أي خبر عن طلاق مصطفى وعايدة. فجأة، اهتز هاتفها برقم مصطفى. ردت بسرعة وبنبرة شامتة تحاول إخفاء خوفها: “أيوة يا مصطفى؟ خير؟ اتصلت عشان تقول إنك طلقت العيلة اللي ورطت نفسك معاها؟”
جاءها صوت مصطفى عبر الهاتف، حاداً، قوياً، وممتلئاً بالثقة لأول مرة منذ سنوات: “لا يا منار… أنا اتصلت أقولك إنك تسحبي كلامك ورغاويك اللي بتقوليها عني في البلد. التقرير الطبي اللي كتبتيه بخط إيدك وفحوصاتك القديمة معايا، ولو سمعت حرف واحد طالع منك أو من أمك، الملف ده هيكون عند أهلك وعيلتك بالكامل قبل غروب الشمس.” انقبض قلب منار وسقط الهاتف من يدها، شاحبة الوجه كالجماد. أكمل مصطفى بنبرة هادئة وواثقة قبل أن يغلق الخط: “عايدة مش بس مراتي… عايدة هي اللي رجعتلي روحي اللي أنتِ حاولتي تدفنيها. مع السلامة يا منار.”
أغلق مصطفى الهاتف، ونظر إلى عايدة وهي تضع الفطور على الطاولة في ضوء الشمس المشرق. ابتسم لها ابتسامة حقيقية من القلب، وخلع معطفه وقرر ألا يذهب للعمل في ذلك اليوم… فقد بدأت حياتهما الحقيقية للتو. لو حابب نطور القصة أكتر أو ندخل في تفاصيل تانية: إضافة فصل جديد عن رد فعل منار وأهل البلد