وأول ما كشفت القماشة… اتسعت عيني من الصد.مة! كانت جواه صفيحة معدن مصدية، وجواها أكياس قماش صغيرة مرصوصة بعناية. فتحت أول كيس.. فجأة لمعت تحت ضوء اللمبة النيون العريانة أساور وسلاسل ذهب قديم ثقيل، وزينات عيار 21 و24، ومعاهم كمية من الجنيهات الذهب اللي مكتوب عليها تاريخ قديم! ومش بس كده.. تحت أكياس الذهب، كان فيه دفتر توفير باسم أبويا، ومعاه وثيقة تنازل رسمية وموثقة بالشهر العقاري وبصمة إبهام أبويا!
مسكت الوثيقة وإيدي بترعش.. قريت البنود بصوت واطي ومراتي واقفة جنبي ورايا حاطة إيدها على بقها ومذهولة. الوثيقة كانت بتنص على إن أبويا “الحاج عبد الصمد” كاتب العمارة بالكامل، والأرض اللي مبني عليها المصنع، باسمي أنا “حسن”! وكان مع الوثيقة جواب أصفر قديم مكتوب بخط إيد أبويا الناشف اللي أعرفه كويس، كان كاتبه قبل وفاته بسنتين، وبيقول فيه:
“يا حسن يا ابني.. أنا عارف إنك عزلت عشان تبعد عن مشاكل إخواتك وقسوتهم، وعارف إنهم شايفينك ضعيف أو استغنيت.. بس أنا كنت فاهمك صح. أنت الوحيد اللي طلعت بتخاف ربنا وما حطيتش عينك في مالي وأنا حي. إخواتك نهشوا في بعض وفي حياتي، وكانوا مستنيين يموتوني بالبطيء عشان يقسموا الورث. العمارة والأرض دول حقك وحق عيالك، وأنا عارف إنهم هيحاولوا ياخدوا كل حاجة، عشان كده سبتلك الأوراق والذهب في مكان مش هيوصله غير اللي هيقبل ياخد دولابي السادة وسريري القديم ويسامح. الذهب ده مصاريف المحاماة والقضايا لو وقفوا ضدك.. رد حقك يا حسن ولا تخافش.”
الدموع نزلت من عيني زي المطر.. مش عشان الفلوس والذهب، لكن عشان أبويا الله يرحمه ما كانش زعلان مني زي ما كان سامح وأحمد بيفهموني! كان فاهم ومقدر وكاتبلي حقي وزيادة. مراتي اترمت في حضني وهي بتعيط من الفرحة والذهول، وقالتلي: “ربنا ما بيباتش ظالم يا حسن.. حق عيالك رجعلهم لحد عندك!” تاني يوم الصبح.. الشمس كانت طالعة بس غير شمس إمبارح. كانت دافية وبترد الروح.
أنا ما جريتش على المحاكم ولا أعلنت الحرب فوراً. خدت الورق والذهب ورحت للمحامي الكبير بتاع العيلة، الراجل الطيب اللي كان كاتم أسرار أبويا. أول ما شاف الأوراق والختم، ابتسم ابتسامة عريضة وقال لي: “الأوراق دي سليمة 100% يا حسن.. العمارة وأرض المصنع ملكك أنت قانوناً وشرعاً، وما حدش يقدر يلمس سهم واحد فيهم.” اتفقنا على خطة.. المحامي طلب من إخواتي اجتماع عاجل في بيت العيلة عشان يخلصوا “إعلام الوراثة” وباقي إجراءات نقل الملكية الرسمية.
دخلت بيت العيلة.. كان سامح قاعد في الصالة، وبكرشه المترين، وماسك حزمة عقود بيتكلم في التليفون وبيبيع ويشتري في شقق العمارة كأنها ملكه خلاص. وأحمد الصغير كان بيراجع حسابات المصنع، وسمر بتعد الفلوس اللي خدتها من البنك. أول ما شافوني دخلت، سامح ضحك ضحكة استهزاء وقال: “خير يا حسن؟ جايب السرير والدولاب ترجعهم ولا أصلك نسيت باقي العفش؟” رديت بثبات وهدوء غير عادي، وقعدت على الكرسي قباله: “لا يا سامح.. أنا جاي أخد باقي حقي بس.”
سامح قام وقف وعروقه ضربت: “حق إيه يا ابن… أنت اتجننت؟ مش خلصنا البارح وقبلت باللي إدناهولك؟” في اللحظة دي، دخل المحامي ووراه اثنين من رجال الشرطة للتأمين تنفيذ الأحكام.. الضحكة اتجمدت على وش سامح، وأحمد الصغير العقود وقعت من إيده، وسمر شنطة الفلوس اتعثرت في رجلها. المحامي طالع الملف الرائع وفرد الأوراق على الترابيزة وقال بصوت حاسم: “يا حضرات.. الأستاذ حسن مش جاي يترجاكم في ورث. الأستاذ حسن هو المالك الفعلي والشرعي للعمارة بالكامل، وللأرض المقام عليها المصنع! الحاج عبد الصمد الله يرحمه كتبله كل ده بعقود بيع وشراء موثقة ومسجلة بالشهر العقاري من سنتين، ودي الأصول والإشهارات.”
سامح صرخ كالمجنون: “تزوير! الأوراق دي مزورة! أبويا ما يعملش كده!” المحامي رد ببرود: “تقدر تطعن بالتزوير في المحكمة لو تحب.. بس البصمة بصمة الحاج، والشهود على العقد محامين هيئة الشهر العقاري. وبناءً عليه.. المصنع اللي أحمد شغال فيه مقام على أرض ملك حسن، والعمارة كلها ملك حسن، وأنت يا سامح ملكش فيها شقة واحدة!” الصمت عم المكان.. كان صمت يقطع الأنفاس. أحمد الصغير بدأ يعيط ويقول: “أنا ماليش دعوة يا حسن.. سامح هو اللي زقني! سامح هو اللي قال لي حسن عزلت وبعنا!”
وسمر أختي جرت عليا ومسكت في إيدي وهي بتبكي: “سامحني يا حسن.. الشيطان غوانا، إحنا إخواتك من دم واحد!” بصيت لسامح اللي كان واقف وشه زي القماش الأبيض، ركبه مش شايلاه، وضاعت كل الهيبة والافتراء اللي كان فيهم إمبارح. وقفت بثبات وبصيتلهم واحد واحد وقُلت:
“أنا كان ممكن أسيبكم للشارع يرميكم، وكان ممكن أطردك يا سامح من العمارة وأقفل المصنع في وشك يا أحمد.. بس أنا مش زيكم. أنا هسيب أحمد يدير المصنع وياخد نسبة، والعمارة هسيب فيها لكل واحد شقة يعيش فيها هو وعياله، لكن الملكية كلها هتفضل باسمي وباسم عيالي زي ما أبويا أراد.. عشان تفتكروا كل ما تبصوا للحيطان دي إن الظلم ليلته قصيرة، وإن السرير والدولاب القدام اللي استخصرتوهم فيا.. كان جواه العدل اللي ربنا كتبهولي!”
خرجت من بيت العيلة وأنا مرفوع الراس، وركبت عربيتي وعلت ضحكتي وأنا راجع لمراتي وعيالي.. وأنا متأكد إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب، وإن حق ربنا ما بضيعش أبداً.