الوقت ده، الوقوف في مكانه مكانش خيار. كان لازم ينزل الشارع يجري. شفته من شباك الأوضة وهو نازل يجري على السلم، مش مستني حتى الأسانسير، لابس شبشب البيت ورابط جاكيت البيجامة بالورب، بيجري في الشارع الضلمة زي المجنون وهو بيحاول يكلم أمه أو يكلم أي حد يلحقه. أنا ما جادلتش، وما جربتش أطلع وراه. أخدت فنجان القهوة بتاعي، قعدت على السفرة، وفتحت اللاب توب. الناس بيفكروا إن المحاسبين ناس ملهمش في الدراما، إن شغلنا كله أرقام وجداول جافة.. بس الحقيقة إن الأرقام هي أكتر حاجة ناعمة وصريحة في الدنيا؛ مابتكذبش، ومابتمثلش الحب، ومابتحــ,,ـــــضنكش وهي بتفكر تسحب رصيدك.
سحبت التليفون، وطلبت رقم الأستاذ مدحت، المحامي اللي بيخلص لي كل أمور الورث من وقت وفــ,,ـــــاه جدتي “روحية”. “صباح الخير يا أستاذ مدحت.. بعتلك ملف على الواتساب، محتاجة أرفع دعوى طلاق للضرر، ودعوى خيانة أمانة، وبلاغ رسمي في النيابة بشرعنة محاولة الاستيلاء على أموال شخصية.” صوت الأستاذ مدحت كان لسه فيه نوم، بس أول ما سمح للكلمات تدبر في دماغه، قعد على حيله: “هدى.. أنتِ بتتكلمي جد؟ الكلام ده عن سامح؟”
“عن سامح، وعن الحجة حسنية أمه. الملف فيه تسجيلات الماكينة، والإخطارات الرقمية بتاعة البنك اللي وصلتني على الإيميل، وصورة من التوكيل اللي حاولت أمه تستخدمه وكان متبطل من شهر.” على الناحية التانية من المدينة… وصل سامح لكابينة البنك اللي في آخر الشارع التجاري. المشهد هناك مكانش زي ما تخيل في أفلام السيما. مفيش صفارات إنذار ملونة ولا ظباط شايلين سلاح وبيهجموا. كان فيه عربية شرطة واحدة واقفة بهدوء، ومفتش البنك واقف مع اثنين أمناء شرطة بيحاولوا يفهموا من الست اللي جوه الكابينة هي بتعمل إيه.
الحجة حسنية مكانتش محبوسة بحديد نزل من السقف؛ الكابينة زجاجها مقفول سيستم أمان تلقائي لخدمة “الماكينات الليلية” لما الماكينة بتعطل أو بيحصل فيها سحب بالقوة. كانت واقفة جوه، وشها رايح جاي بين الزجاج، وبقت عاملة زي العصفور المحبوس، صبغ أظافرها المحروق كان بيخبط على الزجاج وهي بتصرخ بصوت مكتوم مفيش حد سامعه بره. سامح جري عليهم وهو بيلهث، ريحة عرقه سابقة كلامه: “يا باشا! دي أمي! دي أمي والله.. فيه غلط في الموضوع!”
الظابط بص له ببرود، وبص للبطاقة اللي في إيد أمين الشرطة: “أمك معاها كارت بنكي باسم واحدة اسمها ‘هدى عبد السلام’.. وحافظة الباسورد، وحاولت تدخله تلات مرات وتسحب مبلغ أقصى من حدود الماكينة بخمس أضعاف في الساعة أربعة الفجر. ولما الماكينة بلعت الكارت، قعدت تخبط على الشاشة وتدخل أكواد عشوائية لحد ما السيستم قفل الباب وبصم إن فيه محاولة اختراق.” “يا باشا دي مراتي! الكارت بتاع مراتي وهي اللي مدياهولنا!”
الظابط ابتسم ابتسامة خفيفة، وسأله بسؤال واحد هدم كل المسرحية: “ومراتك فين؟ ومجهزة إذن كتابي أو توكيل للوالدة إنها تسحب مليون وربع الفجر؟” لسان سامح اتعقد. الساعة عشرة الصبح.. في صالة الشقة أنا مكنتش في البنك. أنا كنت في الشقة، مع اتنين عمال بيفكوا العفش اللي أنا اشتريته بفلوسي، ومعايا المحامي بتاعي. لما الباب اتفتح، دخل سامح وأمه.
حسنية كانت شكلها يكسر الخاطر؛ المكياج سايح على وشها، طرحتها ملوية، وشكلها كأنها كبرت عشر سنين في ليلة واحدة. المباحث سابوها بضمان محل الإقامة بعد ما اتعمل محضر بالواقعة، واستدعاء رسمي ليا عشان أروح أقوال يحدد هل هسجل بلاغ سرقة ولا الموضوع “خلاف عائلي”. أمه أول ما شافتني قاعد وبشرب شاي، اتغيرت في ثانية. تتحول من الضحية للمفتري في أقل من رمشة عين. “يا فاجرة! بقى تحبسينا وتفضحينا في الشوارع؟ بقى أنا الست الحجة حسنية أقف في القسم عشان شوية فلوس معفنة؟”
أنا ما وقفتش. ما رفعتش صوتي. نزلت فنجان الشاي على الطبق بصوت رنان: “الفلوس المعفنة دي هي اللي خليتك تجيبي علبة حلويات من السوبر ماركت وتيجي تقعدي في مطبخي وتقوليلي ‘الأكبر سناً أولى بالدعم’.. الفلوس المعفنة دي هي اللي خليت ابنك يجيب لي ورد ومشروبات على السر,,ـــــير وهو طول عمره شايفني خدامة بتدفع نص مصاريف البيت.” سامح قرب مني، عينيه فيها مزيج من الخوف والغل: “هدى.. أنتِ كنتِ صاحية؟ أنتِ كنتِ عارفة؟”
“أنا محاسبة يا سامح. أنا بعرف أحسب الخسارة قبل ما تحصل. أنت فاكر إنك لما تشوش بالليل وتملي أمك الباسورد إنك أذكى مني؟ أنت الباسورد ده حافظه من تلات سنين.. بس نسيت إن الحساب اللي معاه الكارت ده أنا غيرت رقم سريته من أسبوع، وفتحت حساب جديد تماماً في فرع تاني، ونقلت فيه كل مليم ورثته عن جدتي.” حسنية صرخت: “يعني المليون وربع مش على الكارت؟!” ابتسمت لها ببرود: “الكارت ده كان عليه 53 جنيه و40 قرش. والـ 50 جنيه البنك سحبهم مصاريف إدارية لمحاولة السحب الخاطئ. يعني أنتِ محبوسة الفجر عشان 3 جنيه و40 قرش.”
النهاية الواقعية في دراما المسلسلات، الست بتاخد حقها والمجرمين بيروحوا السجــ,,ـــــن المشدد وبيمــ,,ـــــوتوا من الفقر. بس في الحقيقة والواقع، الأمور بتمشي بهدوء وأوراق قانونية. أنا ما سجــ,,ـــــنتهومش. تنازلت عن المحضر بتاع السرقة بشرط واحد اتكتب في المحضر نفسه: الطلاق الإتفاقي مع التنازل الكامل من سامح عن أي مؤخر أو حقوق أو مطالبة بالشقة، وتسليمي كل ممتلكاتي الشخصية وفواتير الأجهزة اللي أنا شرياها. أمه كانت هتتجنن وهي شايفاني باخد التكييفات، والسفرة، والشاشات، وبسيب لهم الشقة على البلاط لأن الشقة أصلاً كانت إيجار باسمه هو.
يوم الطلاق في مكتب المأذون، سامح كان قاعد ساكت. مكانش فيه كلام درامي، ولا عتاب، ولا دموع. كان فيه بس شخص اكتشف إن الجشع خلاه يخسر كل حاجة: خسر الست اللي كانت شايلة معاه البيت، خسر فلوسها اللي كان طمعان فيها، ولابس في ديون الإيجار والعفش اللي اتسحب منه، وفوق كل ده، شكله قدام قرايبه وأهله بقى “اللي اتقبــ,,ـــــض على أمه وهي بتسرق كارت مراته”. لما خرجت من عند المأذون، الشارع كان مشمس.
ركبت عربيتي، وركنت الشباك، وصوت أم كلثوم شغال هادي. سحبت تليفوني وفتحت الأبلكيشن بتاع البنك.. بصيت على الرصيد: 1,250,000 ج.م. قفلت التليفون، وحطيت إيدي على الدركسيون، وحسيت براحة أول مرة أحسها من سنين. المرّة دي، الفلوس مكانتش أمان بس.. كانت التمن اللي دفعت بيه ثمن حريتي، وخرجت بيا من قفص كان هيخنقني طول عمري.