وقفت نادية في نص الصالة، عينيها ع الفلوس المرمية على الأرض وع عينين حسام اللي كان يبص لها بتشفّي وغرور كأنه أخيرًا اتخلص من عقدة الذنب اللي عاش بيها عشرين سنة… عقدة إن خير أبوها هو اللي عمله. سكتت نادية. الدموع اللي كانت مالية عينيها جفت فجأة، وكأن الصدمة اتطهرت بنار كبرياء مسك فيها. بصت للفلوس، وبعدين بصت لحسام، وقالت بصت ثابتة وهادية جداً—هدوء ما قبل العاصفة: “أنا مش هلم هدومي، ولا هطلع من البيت ده يا حسام. أنت اللي هتطلع… وبإيدك الشنطة.”
ضحك حسام بصوت عالٍ ومستفز وقال: “أنتِ اتجننتي؟ الشقة دي باسمي، والشركة أنا مديرها التنفيذي، وأنتِ مالكيش أي لازمة من النهاردة. خدي الـ 10 آلاف واطلعي بره بدل ما أطلب لك أمن العمارة!” في اللحظة دي، سمعوا صوت فتح الباب. دخل كريم ابنه من الجامعة، ومعاه ملك أخته الصغيرة. كريم شاف الفلوس المرمية، وعيون أمه المثبتة، وأبوه واقف بتحدي. كريم بصدمة: “في إيه يا بابا؟ إيه الفلوس دي؟” حسام ببرود: “أمك خلاص، مالهاش مكان هنا. طلقها.”
ملك صرخت ومسكت في أمها، لكن نادية حطت إيدها على كتف ابنها كريم وقالت له: “كريم، اطلب المحامي الأستاذ فاروق… وبلغه إن اللعبة انتهت.” حسام ارتبك لحظة، لكنه حاول يداري ارتباكه بالصراخ. ماكانش يعرف إن نادية، رغم كل سنين الاستسلام والدلع، هي بنت “فؤاد بيه” اللي مربيها على الأصول والشغل، وإنها ماكانتش مغيبة… كانت بس واثقة. ثاني يوم الصبح، حسام راح الشركة وهو حاسس إنه ملك العالم. دخل مكتبه، طلب ريم سكرتيرته—وزوجته السرية—وقعدوا يحتفلوا إنهم أخيرًا اتخلصوا من “نادية”. ريم كانت بتضحك وتقول له:
“خلاص يا حبيبي، الشقة بقت لينا، والشركة كلها تحت إيدك، هي مش هتقدر تعمل حاجة.” وفجأة… خبط باب المكتب ودخل الأستاذ فاروق، محامي عيلة “فؤاد”، ومعاه رجلين ببدل رسمية، ومن وراهم… دخلت نادية. بس ماكانتش نادية المنكسرة بتاعت امبارح. كانت لابسة بدلة أنيقة، رافعة رأسها، وعيونها فيها قوة حسام عمره ما شافها فيها. وقف حسام بغضب: “أنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أنتِ اتجننتي؟ أمن الشركة يطلعوا بره فوراً!” رد الأستاذ فاروق بكل هدوء وهو بيفرد ملف أسود على المكتب:
“هدّي نفسك يا حسام بيه… الأمن مش هيسمع كلامك، لأنك من اللحظة دي مالكش أي سلطة هنا.” حسام اتصدم: “يعني إيه؟ أنا المدير التنفيذي!” نادية قعدت على الكرسي الرئيسي للمكتب—كرسي باباها زمان—وبصت لريم اللي كان وشها أصفر، وقالت بنبرة حاسمة: “أنت كنت مدير تنفيذي بتكليف من مجلس الإدارة يا حسام. وبما إنني المالكة لـ 75% من أسهم مجموعة شركات فؤاد (ورثي عن بابا الله يرحمه)، والـ 25% الباقية باسم كريم وملك… فبحسب اجتماع مجلس الإدارة العاجل اللي انعقد الساعة 8 الصبح… تم إقالتك من منصبك وتحويلك للتحقيق.”
حسام بلم: “تحقيق؟ تحقيق في إيه؟” الأستاذ فاروق فتح الملف: “في الاختـ,ـلاسات والتـ,ـلاعب اللي عملته السنة اللي فاتت عشان تشتري الشقة الجديدة باسم ريم، والعربية اللي كتبتها باسمك. وبما إن الشقة اللي طردت مدام نادية منها مسجلة أصلًا باسم والدها المرحوم كهدية جواز ليها، وموجودة في أوراق الميراث… فحضرتك مطالب بإخلائها فوراً وصدر ضدك قرار قرار تمكين وطرد.” حسام حس إن الأرض بتلف بيه. بص لريم، وصرخ: “أنتِ بتقولي إيه؟ الشقة باسم أبوكي؟!”
نادية ابتسمت بمرارة: “أنت نسيت يا حسام… نسيت إن أبويا الله يرحمه ماكانش أغبى مني، كان عارف إنك ممكن تتغير في يوم من الأيام، فكتب الشقة باسمي، وأنت كل السنين دي كنت فاكرها باسمك لأن الفواتير كانت بتيجي باسمك بس.” ريم بصلت لحسام بجنون وقالت: “إيه الكلام ده يا حسام؟ أنت مش قلت لي الشقة ملكك والشركة بتاعتك؟ أنت ضحكت عليا؟” رد حسام بذهول وصراخ: “سكتيها يا ريم! نادية أنتِ بتنتقمي مني؟ عشان تجوزت عليكِ؟”
نادية وقفت، وقربت منه وقالت: “أنا ما بنتقمش عشان اتجوزت… الشرع حلك، بس الأصول والنخوة ما جابتش إنك تطـ,ـرد الست اللي بانت معاك من الصفر وترمي لها 10 آلاف جنيه وتقول لها اطلعي بره. أنت نسيت نفسك يا حسام… نسيت إنك لما دخلت الشقة دي أول مرة، ماكانش في جيبك حتى ثمن حقيبة المستندات اللي كنت شايلها. أنا ما كسرتقش… أنت اللي كشفت أصلك.” خلال أسبوع واحد، تغير كل شيء بواقعية قاسية:
في الشركة: حسام اتعزل تماماً، ولأن كل علاقاته كانت قايمة على اسم “مؤسسة فؤاد”، الشركات التانية سحبت ثقتها منه لما عرفوا بإقالته وقضايا الاختلاس المرفوعة عليه. في البيت: صدر قرار تمكين لنادية من الشقة، وحسام اتطـ,ـرد منها قانوناً بحراسة الشرطة، واضطر يأجر شقة صغيرة في منطقة شعبية لأن كل حساباته البنكية اتجمدت بسبب التحقيقات. الزوجة الثانية: ريم، بمجرد ما عرفت إن حسام اتجرد من فلوسه ومنصبه، ووراها قضايا ومحاكم، رفعت عليه دعوى خلع وما كملتش معاه شهرين!
الأولاد: كريم وملك، رغم حزنهم على خيـ,ـانة أبوهُم، وقفوا جنب أمهم. كريم مسك إدارة بعض القطاعات في الشركة تحت إشراف أمه والمحامي، وبدأ يتعلم عشان يبدأ مسيرة جده. بعد سنة… كانت نادية قاعدة في مكتبها بالشركة، بصت من الشباك على الشارع. لمحت راجل ببدلة قديمة ومستهلكة، واقف مستني الأتوبيس، شايل في إيده ملف أوراق ومستندات بيلف بيه على الشركات يتدور على شغل… كان حسام. حسام اللي رفضته معظم الشركات بسبب القضايا السابقة وسبعة الاستغناء عنه.
رفع حسام عينه بالصدفة وشاف نادية واقفة في بلكونة المكتب العالي… نفس البلكونة اللي كانت بتبص عليه منها بحب كل يوم الصبح وهو طالع بعربيته الحديثة. بصوا لبعض لحظة… حسام كان في عينيه انكسار وندم وألم هزيمة، ونادية ماكانش في عينيها تشفي ولا كره… كان في عينيها شيء واحد بس: شفقة على راجل ضيّع النعمة بإيده. دارت نادية ظهرها للشباك، ورجعت لمكتبها، وقعدت تتابع شغلها بكل ثقة، بعد ما أثبتت لنفسها وللعالم إن المرأة اللي بتتفضل بقلبها، لما تتقهر… بتقف بشرع الله والقانون على رجليها وتسترد كل حق اتسـ,ـرق منها.