منوعات

كل جمعه

الصمت اللي حل في الصالة بعد ما حطيت الورقة كان أتقل من صينية البطاطس باللحمة اللي عملتها! حماتي بصت للورقة، وبعدين بصتلي، وبعدين رفعت نظارتها القراءة من على صدرها وبصت في الأرقام تاني كأنها بتتأكد إنها مش شايفه غلط. أخت جوزي، “شيماء”، قربت بفضول وبصت فوق كتف أمها، ورجلها كانت بتتهز بقلة صبر. أول ما عينيها وقعت على المجموع النهائي في آخر الورقة، شهقت بصوت عالٍ: — «إيه ده يا ندى؟! أنتِ قاطعة علينا إيصالات؟! هو إحنا بناكل في مطعم عندك؟!»

رديت بمنتهى الهدوء، وأنا سانده إيدي على ظهر الكرسي: — «والله يا شيماء، المطعم هو اللي كان مفتوح أربع سنين بوفيه مفتوح ومحدش بيسأل بيكلف كام ولا بياخد من صحة مين. طالما داخلة الشقة وبتقولي جايين ناخد “نصيبنا”، يبقى لازم تعرفي نصيبك ده مكلفنا كام.» حماتي وشها جاب ألوان. الكبرياء عندها فوق أي حاجة. رمت الورقة على الترابيزة بحدية وقالت وهي بتبص لأحمد: — «شايف يا أحمد؟ شايف مراتك بتعايرنا بالأكل؟ بتعد علينا اللقمة اللي أكلناها في بيتك؟ إخص عليك يا زمان.. بقى أمك وأختك بيتقالهم الكلام ده في بيتك وأنت واقف ساكت؟»

كنت مستنية أحمد. في اللحظات دي، السكوت بيبقى زي الخيـ,ـانة. بس أحمد المرة دي كان اتغير.. النظرية عنده اتكسرت من ساعة ما سمع أمه في التليفون بتقوله “هاتوا أكل جاهز معاكم”. أحمد قرب، مسك الورقة من على الترابيزة، وبص لأمه بصة مكسورة وقال: — «يا أمي، ندى مبتعايرش حد. بس ندى بقالها أربع سنين بتصرف من جيبها ومن مجهودها وصحتها عشان تشيل عزومة أنتِ بتعزميها للناس باسمك! أنتِ عارفة المجموع ده معناه إيه؟ معناه إننا كنا بنستلف آخر الشهر عشان نسدد ثمن غدا الجمعة اللي كلنا بناكله عندك وبتقولي للناس إنك أنتِ اللي أصل الجود والكرم!»

شيماء اتدخلت بصوت عالي: — «جرى إيه يا أحمد؟! هي لحقت تلعب في دماغك؟ ما طول عمرنا بناكل مع بعض، إيه اللي استجد؟ ولا هي عشان اختارت تطبخ النهارده مش عايزه حد يشاركها؟» أحمد بص لشيماء وقالها بنبرة حاسمة لأول مرة في حياته: — «اللي استجد يا شيماء إنك أنتِ وجوزك وعيالك بتيجوا تقعدوا حاطين رجل على رجل، لا بتدفعوا جنيه في المصاريف ولا حتى بتفكروا تقفوا معاها في المطبخ تلموا المواعين! حتى الشاي أومي يا ندى اعمليه، وتنزلي أنتِ ترتاحي في بيتك وهي تنزل مهدودة حيلها بالحلل الفاضية!»

حماتي وقفت، ومسكت شنطتها بسرعة، وإيدها بـتترعش من الغضب. — «بقى كده يا أحمد؟ ماشي.. بيت ابنيا اللي اتقفل في وشي النهارده مش هدخله تاني. يلا يا شيماء.. خليها تشبع بالحلة والمصاريف!» ومشيوا.. ورزعوا الباب وراهم رزعة هزت الشقة. السكون اللي نزل على الشقة بعد خروجهم كان غريب. أحمد قعد على الكنبة، حاطط إيده بين راسه ومطبس في الأرض. العيال كانوا جوه في أوضتهم بيلعبوا. قربت منه وقعدت جنبه. — «أحمد.. أنا مش قصدى أهين أمك أو أزعلك.. بس كان لازم الحد ده يتحط. أنا كنت بهلك بنفسي وبيتـ,ـورط بيتنة في ديون عشان إرضاء وهمي.»

أحمد بصلي، وتنهد تنهيدة طويلة: — «أنا مش زعلان منك يا ندى.. أنا زعلان من نفسي. زعلان إني كنت أعمى كل ده. كنت فاكر إنك مبسوطة وإنك بتعملي ده بحب، متخيلتش إنهم بيستغلوكي.. ولا متخيل إن أمي توصل بيها الدرجة إنها تعزم خالتي وعيالها وتعتمد إنك أنتِ اللي هتجيبي الأكل جاهز!» اليوم ده.. أكلنا صينية البطاطس والرز، وكان طعمهم مختلف. كان طعمهم فيه “راحة”. بداية الحرب الباردة طبعًا القصة مخلصتش هنا.. بالعكس، دي كانت مجرد بداية “المعركة”.

على مدار الأسبوعين اللي بعدهم، حماتي أعلنت المقاطعة الشاملة. التليفونات اتمنعت. أحمد بقى يتصل بيها، ترد ببرود قـ,ـاتل: “أنا بخير يا أحمد، روح لمراتك حاسبها على اللقمة اللي أكلتها عندك.” شيماء بدأت تنزل “بوستات” على الفيس بوك من نوعية: “ناس فاكرة الفلوس كل حاجة.. ونست إن صلة الرحم ما تتقدرش بتمن!” “ربنا يكفينا شر القلوب القاسية اللي بتفرق بين الولد وأمه.” كنت بشوف الكلام وأبتسم. مبقيتش أرد ولا أوجع دماغي.

لكن المفاجأة الكبرى جت بعد شهر بالظبط. عيد ميلاد “سيف” ابن أحمد الصغير قرب. وأحمد كان مصمم إننا نعمل عقيقة/عزومة صغيرة ونعزم فيها العيلة، كنوع من تصليح النفوس، بس المرة دي شروطي كانت واضحة. أحمد قال لأمه: «يا أمي، إحنا عاملين عزومة يوم الجمعة في بيتنا، وأنا اللي حاجز أكل جاهز ومجهز كل حاجة، ومش عايز ندى تلمس حلة.. أنتِ تنزلي معززك مكرمة ضيفة فوق راسنا.» حماتي وافقت تتكرم وتيجي.. طبعًا عشان تثبت إنها الكبيرة وإننا بنترجاها ترجع.

يوم الجمعة، البيت كان متظبط، والأكل الجاهز وصل (مشويات وكفتة وسلطات). حماتي دخلت ومعاها شيماء وخالته. حماتي دخلت بكرامتها المجرومة، متكلمتش معايا خالص، وقعدت على الصالة زي الملكة. قعدنا كلنا ناكل. الأكل كان تحفة والجو تمام.. لحد ما خالته فتحت بؤها وقالت: — «بس بصراحة يا أحمد.. الأكل الجاهز ده مالوش طعم.. أينعم نضيف، بس فين ريحة نفَس ندى في الأكل؟ المحشي بتاعها كان بيبقى له طعم تاني خالص غرقان بالسمنة البلدي!»

شيماء ضحكت بصفار وقالت: — «أصل ندى خلاص يا خالة اعتزلت الطبخ للمجانين.. بقت بتحسب بالساعة والمجهود، الأكل الجاهز أريح لميزانيتها!» كنت هرد، بس حماتي هي اللي فاجأت الجميع! حماتي بصت لشيماء بنظرة حادة وقالت: — «اسكتي يا شيماء!» الكل سكت. حماتي كملت وهي بتبص لأحمد ولأخت جوزي: — «شيماء.. أنتِ بقالك أربع سنين بتيجي عندي يوم الجمعة، عمرك جيبتي معاكي كيلو گوفتة؟ عمرك وقفتي معايا تسبكي طماطم؟ ندى كانت بتشيل عزومة جيش كل جمعة ولوحدها، ولما استوت وتعبت من حقها تقول لأ. إحنا اللي اتعودنا على الراحة ونسينا إن بني آدمة زينا بتتعب.»

أنا اتسمرت في مكاني. أحمد بص لأمه بذهول. حماتي حطت الشوكة وبصتلي وقالت: — «أنا زعلت من الورقة يا ندى.. زعلت لأنك عملتيني زي الغريبة وبتحاسبيني. بس لما قعدت مع نفسي الشهر ده، وعزت أعمل غدا الجمعة لشيماء وعيالها لوحدي، ضهري اتكسر من الوقفة وحسيت بيكِ. وعرفت إن أحمد عنده حق.. أنتِ كنتِ شايلة فوق طاقتك، وإحنا أخدنا ده كأنه حق مكتسب.» الدموع اتجمعت في عيني.. مش عشان هي اعتذرت، بس عشان “التقدير”.

رديت عليها وقلت: — «يا ماما، أنا عمري ما كرهت أعملك أكل.. أنا كنت بزعل لما بحس إني مجرد شغالة بتنقل الحلل، وإني مطحونة ومحدش حاسس بتعبي. أنتِ على راسي، وأنا عينيا ليكي.. بس بالعدل.» النهاية والنظام الجديد من اليوم ده، الاتفاق اتغير تمامًا: غدا الجمعة بقا بالتناوب: جمعة عندي (وأحمد بيلتزم يجيب جزء من الأكل جاهز عشان ما أتهدش)، وجمعة عند حماتي (وشيماء مجبرة تيجي تقف في المطبخ تطبخ وتغسل المواعين)، وجمعة كل واحد في بيته يرتاح!

أخت جوزي (شيماء): اتعلمت الأدب، وبقت لما تيجي عندي تدخل المطبخ وتقولي: “أساعدك في إيه يا ندى؟” أحمد: بقى مقدر جدًا لبيته وميزانيته، وعرف إن حماية مراته ووضع حدود لأهله مش معناه “عقوق”.. ده معناه “حكمة” بتحمي البيت من الانهـ,ـيار. والحلة اللي كانت سبب المشكلة؟ بقت هي نفس الحلة اللي بنجمع فيها العيلة دلوقتي.. بس بجد، وبحب، ومن غير ما حد ييجى على حساب حد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى