منوعات

انت كبير العيله

ساد الصمت في الأوضة، قمر فضلت باصة لجبل والدموع محبوسة في عينيها. كانت شايف الصدق في عينيه، بس الخوف كان أكبر.. الخوف إن كلام العيلة والمبدأ والـ “أصول” يغلبوا في الآخر على الحب. جبل قام وقف، مسح على وشه بإيده، وعينيه أتحولت لنظرة صلبة حادة، هي دي نظرة “كبير الراوية” لما يحس إن في لعبة ببتلعب من وراه. “ارتاحي أنتي يا قمر.. وحقك عليا، والنعمة الشريفة ما حد هيجرحك ولا يدخل عليكِ ضرة طول ما أنا عايش فوق وش الأرض.”

خرج جبل من الأوضة، وقف في الصالة العريضة للبيت الكبير. الحاجة صفية كانت قاعدة على كنبتها العالية، عكازها بين إيديها وبتبص له بصرامة وقوة: “رجعت لعقلك يا جبل؟ كلمت أبو سعاد وقلت له إننا رايحين نكتب الكتاب الجمعة الجاية عشان نستر على حتة من أفكار أخوك المرحوم.” جبل قرب من أمه، وقعد على ركبته قدامها، وقال بنبرة واطية بس حادة زي الموس: “أمة.. أخويا الله يرحمه متوفي بقاله أربع شهور. وسعاد سابت البيت غضبانة ورجعت لأبوها من شهرين.. كيف الدكتورة تقول إنها حامل في الشهر التاني النهاردة؟ وليه أبوها استنى لحد ما قمت أنا بطردها عشان ييجي يقول الكلام ده؟”

الحاجة صفية اتربكت لحظة، بس استرجعت قوتها بسرعة: “الحمل ساعات مبيظهرش في الأول يا ولد الراوي! أبوها راجل صريح، ومش هيتبلى على بنته ولا يتبلى عليك! المهم ولد أخوك يتربى في وسطنا.” جبل وقف ببطء وابتسم ابتسامة باهتة فيها تهديد: “أنا هعرف ولد أخويا ده بجد.. ولا دي ملعوبة جديدة من سعاد وأبوها عشان ترجع الدار هنا وتحط إيدها في أطيان العيلة.” رحلة البحث عن الحقيقة خرج جبل من البيت الكبير، وطلب من “نعيم” دراعه اليمين يجهز العربية. اتجهوا فوراً للحي المالي والعيادات اللي في المركز القريب من البلد. سعاد لما تعبت راحت لدكتورة معينة هناك اسمها “دكتورة ماجدة”.

دخل جبل العيادة وهيبته كانت كفيلة تخلي الممرضات يدخلوه فوراً للدكتورة بدون معاد. الدكتورة أول ما شافته اتربكت: “خير يا جبل بيه؟ في حاجة ولا إيه؟” جبل قعد على الكرسي، حط رجله على رجله وبص لها بثبات يرعب: “خير يا دكتورة.. أنا جاي أسأل عن الست سعاد اللي زارتك من يومين مع أبوها. كتبتي في التقرير إنها حامل.. صح؟” الدكتورة بلعت ريقها بالعافية وضغطت على القلم اللي في إيدها: “أيوه يا بيه.. الكشف والتحاليل أثبتوا كدة.”

جبل مال بجسمه لقدام، ونبرة صوته نزلت طبقة: “أنا ممكن أهد العيادة دي فوق دماغك وأقفلها بالقانون لو اكتشفت إنك بتبصمي على ورق مزور.. سعاد مش حامل من أخويا، وأنا عارف كويس إيه اللي بيحصل. قولي الحقيقة وساعتها أوعدك تخرجي منها سليمة، لكن لو كدبتي.. الراوية كلهم مش هيسيبوا فيكِ حتة سليمة.” الدكتورة إيديها بدأت ترتعش، الخوف من اسم “الراوية” وهيبة جبل خلوا مقاومتها تنهار بسرعة. نزلت راسها وقالت بصوت متقطع:

“والله يا جبل بيه أبوها هددني.. وشبّك مع داية من الناحية التانية وجابلي تحليل دم قديم لست تانية عشان أكتب عليه اسمها ورقم بطاقتها! سعاد مش حامل ولا حاجة.. أبوها كان عايز يجوزها لك بالعافية عشان يضمن إن أطيان أخوك ما تخرجش برة عيلتهم، ولما عرف إنك حطيت عينك على قمر وهتستقر معاها، خاف حسابه يضيع!” جبل غمض عينيه، صدق حدسه. اللعبة كانت قذرة.. وكانوا هيدمروا بيته وحياته عشان شوية فدادين وورث.

“تكتبي تقرير رسمي باللي قلته ده دلوقتي.. ومختوم بختم عيادتك. ولو حد سألك، تقولي التحاليل اتلخبطت في الأول والتأكيد طلع سلبي.. مفهوم؟” المواجهة الكبرى في البيت الكبير رجّع جبل البيت الكبير والشمس بدأت تغيب. قمر كانت قاعدة في أوضتها، ساكتة ومستنية، إيديها على قلبها والترقب بياكل فيها. دخل جبل، وطلب من الخدم يجمعوا الحاجة صفية، ونادى على “الشيخ عبد الصمد” عم سعاد، وأبوها اللي كان جاي فاكر نفسه هيتفق على المهر والشبكة!

في الصالة الكبيرة، قعد أبو سعاد وهو رافع راسه: “منور يا جبل يا ولد الراوي.. أظن بقى مفيش كلام يتقال بعد كدة، الحرمة حامل في ولد أخوك، والأصول بتقول تقفل بابك عليها وتسترها.” الحاجة صفية بصت لجبل وقالت: “اتكلم يا جبل.. قول له إنك موافق عشان نلم اللحم.” جبل كان واقف في نص الصالة، حاطط إيديه ورا ضهره، رمق أبو سعاد ببصة حادة، ورمى التقرير الطبي الحقيقي المعتمد من المفتش الصحي والعيادة على الترابيزة في النص.

“اقرأ الورقة دي يا حاج رفعت..” أبو سعاد اتلبك: “إيه الورقة دي؟” جبل بصوت زي الرعد هز أركان السرايا: “دي الورقة اللي بتقول إن بنتك سعاد مش حامل! وإنك اشتريت ذمة داية ودكتورة عشان تلبسني جوازة غصب، وعشان ترجع بنتك تاكل في خير الراوية بعد ما طردتها لقلة أدبها ولسانها الطويل على مرتي!” الحاجة صفية أتعفرت مكانها وشهقت: “إيه الكلام ده يا جبل؟! أنت بتقول إيه؟!” جبل بصلها وقال بأسى:

“بقول الحقيقة يا أمة! الحقيقة اللي كنتِ هتضيعي بيها بيتي ومرتي اللي صانتني وحبتني! سعاد مش حامل، وأبوها كان بيلعب بيكِ وبمشاعرك عشان عارف إنك مشتاقة لضنا أخويا الله يرحمه!” أبو سعاد وشه أصفر، وقام وقف وهو بيرتعش: “أنت.. أنت بتقول إيه.. الدكتورة كدابة!” جبل قرب منه خطوتين، وشه كان مفيهوش رحمة: “الدكتورة اعترفت بكل حاجة ورجالتي مع المفتش الصحي واقفين برة! لو ما أخدتش بنتك وغورتوا من البلد دي كلها وما شفتش وشكم تاني، وعلّة كدبكم دي اتعرفت في الناحية كلها.. قسمًا بعزة الله لأحبسك وأرميك في السجن بتهمة التزوير والابتزاز!”

أبو سعاد ما قدرش ينطق كلمة، أخد بعضه وجري برة السرايا كأنه بيهرب من حبل المشنقة. النهاية الواقعية السرايا سادها صمت تقيل. الحاجة صفية كانت باصة للأرض، حاسة بصدمة وخجل شديد. هي كانت فاكرة إنها بتحافظ على اسم العيلة وولد ابنها المتوفي، بس اكتشفت إنها كانت أداة في إيد ناس طماعين وكانوا هيخربوا بيت ابنها الكبير. جبل قرب من أمه ببطء، قعد تحت رجليها ومسك إيدها وباسها: “أنا كبير العيلة يا أمة.. حافظ على اسمها وأرضها بعقلي وحكمتي، مش بالظلم. قمر مرتي.. ودي اللي شالتني في عينيها ورضيت بيا، وما عاش ولا كان اللي يكسر قلبها في بيتي.”

الحاجة صفية هزت راسها ودمعة نزلت من عينها: “سامحني يا ولدي.. العاطفة عمتني، وكنت هخرب بيتك بيدّي.” طلع جبل لأوضته، فتح الباب ببطء. قمر كانت واقفة جنب الشباك، سامعة كل الصريخ والحديث اللي دار تحت. جبل قرب منها ببطء، وقف وراها وحط إيديه حوالين خصرها، وسند راسه على كتفها. قمر الفرحة كانت طافية في عينيها بس سحابة الخوف راحت، التفتت له وبصت في عينيه: “كنت خايفة يا جبل.. خايفة العيلة تكسب والحب يخسر.”

جبل مسح دمعة كانت نازلة على خدها وقال بنبرة دافية مليانة صدق: “العيلة هي أنتي يا قمر.. وأنا كبير الراوية برة البيت ده بس، لكن جوة الأوضة دي.. أنا مجرد راجل بيحبك وما يقدرش يعيش من غيرك.” قمر ابتسمت بتعب، وحطت راسها على صدره. النهاية ما كانتش معجزة ولا سحر، كانت نهاية واقعية لبيت صعيدي فيه أصول وحق.. جبل أثبت إنه كبير بحكمته وعدله، وحمي بيته وحبه من الأطماع، والبيت الكبير رجع له هدوؤه واستقراره على أصل ثابت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى