قمر وهي تمسك بكتف عيسى بدموع: “نروح فين يا عيسى؟ إحنا ملناش حد هنا!” نظر جاسر لعيونها الباكية، تلك العيون التي طالما حلم بها في طفولته، فشعر بنغزة قوية في قلبه. ابتلع غصته وقال بجمود: “هتاخدوا عربيتي وتطلعوا على شالية الساحل الشقة باسم صاحب عمري ومحدش يعرفها خالص.. هتقعدوا هناك لحد ما أنا أتصرف وأجيب رأس نرجس دي وأعرف مين اللي بيمشيها.” عيسى بامتنان وهو يحتضن أخاه: “طول عمرك ضهري يا جاسر.. بس أنت هتعمل إيه مع أمك؟”
جاسر بابتسامة باهتة: “سيب أمك عليا.. المهم غورا من وشي دلوقتي قبل ما حد يلمحكم.” بعد ساعات، كان الليل يلف المدينة بظلامه دامس. وصل جاسر إلى شقة أمه، فوجدها تجلس في الصالة بانوية ومكسورة، والبيت في حالة كراكيب بعد تفتايش رجال الشرطة. حنان بلهفة وهي تقف: “جاسر! عملت إيه؟ عيسى كويس؟” جاسر جلس على الكرسي وبدأ يفك أزرار قميصه ببرود قاتل: “عيسى هرب.. ومحدش هيعرف طريقه. بس قوليلي بقا يا أمي.. أنتِ عملتي كل ده ليه؟ طردتيه عشان تبعدي قمر عني؟ ولا في سر تاني خايفة منه؟”
حنان ارتبكت وتراجعت للخلف: “سر إيه؟ أنا عملت كده عشانك يا جاسر! عشان ما تشوفش البنت اللي بتحبها في حضن أخوك كل يوم ويموت قلبك!” جاسر وقف فجأة واقترب منها بنظرات مرعبة: “لا يا أمي.. أنتِ ما بتعمليش حاجة عشان حد غير نفسك! نرجس دي ما دخلتش حياة عيسى من الشارع كده.. نرجس دي قريبتاك أنتِ من البلد! وأنتِ اللي زقيتيها على عيسى من سنتين عشان تجوزيهولها وتبعديه عن قمر، ولما خططتك فشلت وعيسى اتجوز قمر.. استخدمتي نرجس تاني عشان تهددي بيته!”
سقطت حنان على الكرسي بصدمة وجفت دماؤها: “أنت.. أنت عرفت منين؟” جاسر بضحكة ساخرة وموجوعة: “أنا مش حمار يا أمي.. أنا لما دورت ورا نرجس الضهر، لقيت حسابها البنكي بيدخله فلوس شهرياً من حسابك أنتِ! أنتِ دمرتي ابنك الكبير وحرمتيه من بيته، ودمرتيني أنا بالذنب.. كل ده ليه؟ عشان قمر؟ ولا عشان قمر تبقى بنت جمال اللي كان خطيبك زمان وسابك وقمر شبه أمها اللي أنتِ بتكرهيها؟!”
انهارت حنان وبدأت تبكي بحرقة وذهول من كشف أوراقها بالكامل: “جمال كان حب عمري يا جاسر! سابني واتجوز أم قمر، ولما شفت قمر مع عيسى حسيت إن التاريخ بيعيد نفسه وإن العيلة دي جاية تاخد مني ولادي زي ما أخدت مني شبابي!” جاسر بنظرة قاسية وباردة: “أنتِ مريضة يا أمي.. وبسبب مرضك ده، أنا هصلح كل حاجة، حتى لو التمن إني أخسر حبي للأبد.” في شاليه الساحل… كان الهدوء يخيم على المكان، وصوت أمواج البحر يتردد في الخفاء.
كان عيسى نائماً من التعب والألم في يده، بينما قمر لم يستطع النوم يطرق جفنها. خرجت إلى الشرفة تتأمل البحر وهي تلف شالاً حول كتفيها. فتحت حقيبة يدها القديمة للبحث عن منديل، فسقطت منها علبة خشبية صغيرة كانت تحتفظ بها منذ طفولتها. سقطت العلبة وانفتحت، لتخرج منها مصاصة مغلفة قديمة جداً، ومعها ورقة صغيرة مكتوبة بختم طفولي: “أنا هكبر وهتجوزك يا قمر – جاسر”. امسكت قمر الورقة بدموع وهي تتذكر طفولتها.. ذكريات عم جمال، البيت القديم، وطفل الحارة الشجاع الذي كان يحميها دائماً.
قمر بذهول وهي تحدث نفسها: “جاسر.. ابن طنط حنان هو نفسه جاسر ابن حارتنا القديمة؟! معقولة؟!” في هذه اللحظة، رن هاتف قمر.. كان الرقم غريباً، لكنها ردت بصوت خفيض. جاسر على الطرف الآخر بصوت خفيض ومرهق: “قمر.. أنتِ صاحية؟” قمر بتلعثم ودقات قلبها تتصارع: “جاسر؟ أيوة.. صاحية. عيسى نايم.” جاسر بصلابة: “اسمعيني كويس يا قمر ومتقاطعيش كلامي.. نرجس مش لوحدها، نرجس وراها راجل أعمال كبير اسمه ‘صالح العطار’ عيسى كان شغال معاه ورفض يمررله صفقة مشبوهة، واستغلوا نرجس عشان يلوا دراعه. أنا رايح دلوقتي أواجه صالح بنفسي وأجيب العقود الأصلية.”
قمر بخوف حقيقي: “جاسر لا! بلاش تروح لوحدك المكان خطر! أنت ليه بتعمل كل ده؟” صمت جاسر لثوانٍ، ولم يكن يسمع سوى أنفاسهما عبر الهاتف، ثم قال بنبرة دافئة وموجوعة أذابت قلبها: “بعمل كده عشان عيسى أخويا.. وعشانك يا قمر. عشان الوعد القديم اللي قطعته ليكي وأنا صغير.. إن محدش في الدنيا دي هيقدر يؤذيكي طول ما أنا عايش.” تجمدت قمر في مكانها وسقطت دموعها: “أنت.. أنت فاكر؟”
جاسر بابتسامة حزينة: “أنا عمر ما نسيت لحظة واحدة يا قمر.. بس القدر اختار إنك تكوني لـ عيسى، وعيسى يستاهلك وهو راجل وبيحبك.. وأنا حمايتكم لآخر نفس في عمري. لو جرالي حاجة.. قولي لـ عيسى يسامح أمي.” أغلق جاسر الخط فوراً قبل أن يسمع ردها. قمر بصرخة مكتومة: “جاسر! استنى يا جاسر!” في مخزن مهجور على أطراف القاهرة… كانت السيارات الفارهة تقف في الظلام، وجاسر يدخل ببرود وجسد متأهب كالأسر. كانت المصارعة الرياضية التي يمارسها لم تكن لمجرد التسلية، بل كانت تحضيراً لليوم الذي يواجه فيه الشياطين.
داخل المخزن، كان “صالح العطار” يجلس وعلى الطاولة أمامه العقود المزورة ونرجس تقف بجانبه ترتجف. صالح بضحكة خبيثة: “أهلاً بالبطل.. جاي تفتدي أخوك؟” جاسر ببرود وهو يخلع ساعته ويضعها في جيبه: “أنا مش جاي أفتديه.. أنا جاي آخد الورق وأعلمكم الأدب.” أشرأب صالح بعينيه وأعطى إشارة لـ 6 رجال أشدّاء يمسكون بهراوات وأسلحة بيضاء ليحيطوا بجاسر. نرجس بخوف: “صالح بلاش.. ده جاسر والمطرقة بتاع الحلبة ده مفترس!”
لكن الوقت كان قد فات. هجم الرجال على جاسر، وفي ثوانٍ معدودة تحول المكان إلى ساحة معركة. جاسر كان يتحرك بسرعة البرق، يتفادى الضربات ويوجه لكمات قاضية تجعل العظام تتكسر. كبرياؤه، حبه الضائع لقمر، وغضبه من ظلم أمه وأخيه.. كل هذه المشاعر تفجرت في ضرباته! خلال دقائق، كان الرجال الستة يئنون على الأرض بدمائهم، وجاسر يقف ويتنفس بسرعة، وجرح صغير يسيل من جبهته. اقترب جاسر ببطء شديد من صالح العطار الذي تراجع للخلف بجلع وشحب وجهه.
سحب جاسر الورق والشيكات من على الطاولة، ثم تمسك بياقة صالح وقال بصوت كفيحس الأفعى: “الصفقة دي انتهت.. والبلاغ اللي ضد عيسى يتسحب خلال ساعة، وإلا التسجيلات اللي معايا بصوتك وأنت بتتفق مع نرجس على التزوير هتبقى على مكتب الناظر العام بكره الصبح.” صالح وهو يرتجف: “مـ موافق.. موافق والله!” التفت جاسر لنرجس التي كانت تبكي من الرعب: “وأنتِ.. بنتك اللي بريئة دي هتربيها بعيد عن القرف ده، وعيسى هيصرف عليها شهرياً من باب الإنسانية مش لأنها بنته، ولو شفت وشك تاني في القليوبية كلها هتدفني حية.”
بعد مرور شهرين… أمام شاطئ البحر في الإسكندرية، كان عيسى وقمر يسيران يداً بيد. تمت براءة عيسى بالكامل، وانكشفت الحقيقة، وعادت المياه إلى مجاريها. أمّا حنان فقد أدركت خطأها الفادح وقضت وقتها في التكفير عن ذنبها والتقرب من أولادها بالدعاء والاستغفار. قمر كانت تنظر للبحر بابتسامة دافئة، ثم التفتت لعيسى: “عيسى.. هو جاسر مش ناوي يرجع من السفر بقا؟ بقاله شهرين في الإمارات.” عيسى ابتسم بحب وضمها إليه: “جاسر بيسس شغله هناك يا ستي.. بس كلمني النهاردة وقال إنه راجع الأسبوع الجاي، وخطب بنت سفير محترمة جداً وهيتجوزوا قريب.”
تنفس قمر براحة، وأبتسمت بصدق من قلبها وهي تدعو له بالسعادة، وعرفت أن جاسر لم يكن فقط حب طفولتها البريء.. بل كان البطل السري الذي ضحى بشعوره ليصون بيتها ويمنحها الحياة التي تستحقها. وفجأة، رن هاتف عيسى، فتح الخط على الميكرفون وكان صوت جاسر يملؤه الفرح والطاقة: “إيه يا عرسان؟ أوعى تكون معطل قمر عن أكل السمك يا عيسى! تجهزوا كلكم لأني نازل ومجهز لكم مفاجأة!” ضحك عيسى وقمر معاً، واختفت الغمامة، لتشرق الشمس أخيراً على حياة عائلة أثبتت أن الأخوة والمحبة الحقيقية تنتصر دائماً على الأحقاد.