وردة حاولت تجمّع شتات نفسها وترد بثبات، بس صوتها طلع مكسور ومتهدج: “ما.. ما كنتش بعمل حاجة. هو جه قعد مع اختو، وأنا ولاء صاحبتي.” أدهم قرب منها أكتر، وحط إيده على ظهر الكرسي بتاعها وبص في عينيها مباشرة: “بتضحكي على هزاره يا وردة؟ وتكدبي عليّ وتقوليلي ماما تعبانة عشان ما تروحيش عنده.. وفي الآخر ألاقيكي قاعدة بتتسامري معاه في الكافتيريا قدام الجامعة كلها؟ أنتِ متخيلة أنا مين في الجامعة دي؟ ومتخيلة أنتِ بالنسبة لي إيه؟”
وردة رفعت عينها فيه بغضب طفولي ممتزج بالخوف، والدموع مالية وشها: “أنت بالنسبة لي دكتور أدهم! ابن عمي اللي متحكم في كل خطوة في حياتي! أنا ما عملتش حاجة غلط.. هو سلم عليّ وضحكت على موقف عادي.. أنت اللي بتعمل من كل حاجة مصيبة!” أدهم عيونه اسودت أكتر لما سمع جملة “ابن عمي والدكتور”، ابتسم ابتسامة مكسورة ومحملة بالغضب والمشاعر المكتومة وقال بصوت واطي جداً قرب ودنها: “ابن عمك بس؟ ماشي يا وردة.. لو فاكرة إن التحكم هو بس اللي عندي، يبقى أنتِ لسه ما عرفتيش أدهم كويس.”
داس بنزين وطار بالعربية على القصر. وصلوا القصر، أدهم نزل وفتح باب العربية وشد وردة من إيدها بضغط خفيف بس حاسم: “انزلي.” وردة مشيت وراه وهي بتحاول تسحب إيدها: “سيب إيدي يا أدهم! الخدامين بيتفرجوا علينا!” أدهم ما ردش عليها، دخل القصر وطلع بيها على جناح المكتب بتاعه، دخلها وقفل الباب بالمفتاح. وردة اتراجعت لورا بخوف لما سمعت صوت المفتاح بيلف: “أنت قفلت الباب ليه؟ أنت عايز مني إيه؟” أدهم قلع جكت البدلة ورماد على الكنبة، وفك أول زرارين من قميصه ورمى المفاتيح على المكتب. قعد على كرسي المكتب الكبير وشاور لها: “تعالي اركني شنطتك هنا وقعدي.”
وردة وقفت مكانها ومتحركتش: “مش هقعد.. افتح الباب أنا عايزة أطلع أوضتي!” أدهم بص لها بهدوء غريب مرعب، أهدى بكثير من العاصفة اللي كانت في العربية، وقال: “المذاكرة اللي كنتِ عايزة تذاكريها مع معتز أو صاحبتك.. هتتم هنا. قدامي. الشيتات والمراجع بتاعت المادة بتاعتي وباقي المواد هتتفتح هنا، ومش هتعزلي من قدامي غير لما تتأكدي إنك فاهمة كلمة كلمة.” وردة فتحت بقها بذهول: “إيه؟! أنت بتعاقبني يعني؟”
أدهم حط إيده تحت دقنه وبص لها بتحدي: “سميها عقاب، سميها خوف على مستواكي.. سميها زي ما تسميها. بس من النهاردة، ما فيش خروج من القصر ده لوحدك، ما فيش كافتيريا، وما فيش كلام مع أي حد برة حدود المحاضرة. وموبايلك ده..” قام خطوتين وشد الموبايل من جيب شنطتها بلمحة عين: “..يفضل معايا.” وردة حسيت بالظلم وقسوة حبه اللي بيحاول يداريه ورا قناع التحكم، صرخت فيه والدموع بتجري على خدودها:
“أنت أناني! أنت ما بتحبش تشوفني مبسوطة! كل ده عشان قلتلك بكرهك امبارح؟ أيوا بكرهك يا أدهم! بكره تحكماتك وقسوتك!” أدهم اتجمد مكانه، الكلمة ض.ربت قلبه للمرة الثانية. خطى ناحيتها بسرعة لحد ما بقى بينه وبينها سنتيمترات، وردة ظهرها خبط في الحيطة وما بقاش في مفر. أدهم حط إيديه الاثنين على الحيطة حوالين رأسها، وحبسها في مساحته الخاصة. تنفسه كان سريع ومشاعر الغيرة والحب والوجع كلها كانت باينة في عينيه.
أدهم بص لشفايفها المرتجفة ولدموعها، وصوته نزل لدرجة همس موجوعة: “بتحبيني تكرهيني.. بتمو.تي فيّ وتكرهيني.. قوليها زي ما أنتِ عايزة يا وردة. بس اقسم بالله، لو شفت الكلب ده أو غيره يقرب منك تاني، أو شفت ابتسامة منك لحد غيري.. هقلب الدنيا عليكِ وعليها.” وردة أنفاسها تسارعت من قربه، والتوتر شل حركتها. عينيه كانت بتقول كلام تاني خالص غير العصبية والتحكم.. عينيه كانت بتصرخ بالغيرة. وردة همست بصوت مخنوق وهي بتبص في عينيه:
“أنت ليه بتعمل كده؟ لو بتكرهني سيبني في حالي..” أدهم رفع إيده بالراحة ومسح دمعة نزلت على خدها بأبهامه، ملمس إيده كان دافي وحنين بعكس كل العصبية اللي كانت فيه من شوية. أدهم قال بهمس أعمق وهو بيقرب من ملامحها: “مين قال إنك ساهلة عليّ؟ ومين قال إني بقدر أسيبك؟ أنتِ وردتي أنا.. وما فيش حد بيمد إيده على حاجة أدهم غير لما ينتهي.” وردة قلبت عينها بعيد، قلبها كان بيدق بسرعة جنونية ومش قادرة تستوعب المشاعر المتضاربة دي.
أدهم بعد عنها فجأة، ورجع لبروده الظاهري، أشر على الترابيزة وقال: “طلعي كتبك يلا.. وقعدي ذاكري. ووردة.. لو لمحكي بتعيطي تاني، العقاب هيزيد.” مسكت وردة كتبها وقعدت على الكرسي وهي ساكتة، بس قلبها من جوة كان في حالة حرب.. حرب بين غضبها من تحكمه، وبين الشعور الغريب اللي زلزل كيانها لما مسح دموعها وقالها “وردتي أنا”. أدهم قعد على مكتبه، فتح أوراقه، وبدأ يشتغل.. بس من وقت للتاني، كان بيرفع عينيه يراقب ملامحها وهي بتمسح مناخيرها بطفولية وتركز في الكتاب، وفي قلبه ابتسامة دافية يداريها عن الدنيا كلها.
تفتكر وردة هتقدر تستحمل القرب ده والمشاعر دي؟ ولا معتز هيحاول يعمل مصيبة جديدة في الجامعة ولع اللعب أكتر؟