صمتت القاعة بالكامل، وكان صوت خطوات عادل منصور وهو يغادر الفندق هو الصوت الوحيد الذي يُسمع، يتردد صداه بين الجدران الرخامية. وقفت منى في منتصف القاعة، تشعر بكارت العمل بين أناملها كأنه جمرة نــ,,ـــــار. لم تنظر إلى زوجها، ولم تلتفت إلى الهمسات التي بدأت تشتعل من حولها كالنــ,,ـــــار في الهشيم. استدارت ببطء، ومشيت بثبات نحو الخروج، تاركة خلفها 300 شخص يتطلعون إليها بذهول لم يعهدوه منها من قبل. شريف لحق بها عند سيارتهما في المواقف السفلية. مسك ذراعها بقوة، وكان وجهه شاحباً كالجــ,,ـــــثه، والعرق يتصبب من جبهته رغم التكييف العالي:
— أنتِ جنيتي؟ إيه المهزلة اللي حصلت جوة دي؟ ومين الراجل ده؟ أنتِ تعرفيه من ورايا؟ منى رفعت عينيها فيه. ولأول مرة منذ 27 سنة، لم يجد في عينيها ذلك الخوف أو التردد الذي اعتاد عليه. كانت نظرتها باردة كشفرة سكــ,,ـــــين. سحبت ذراعها ببطء وهدوء وقالت: — إيدك متلمسنيش تاني يا شريف… والبيت اللي راجعين عليه ده، هنشوف بكرة هو بيت مين فينا بالظبط. طوال طريق العودة، لم ينطق شريف بكلمة. كان يكسر الصمت فقط بقضم أظافره بتهور، ينظر إلى الطريق بعيون متسعة، ويردد بينه وبين نفسه بصوت خفيض: “نادية… نادية منصور ماتت من زمان… إزاي؟”.
الجزء الثالث: نبش القبور في المنزل، أغلقت منى باب غرفتها بالمفتاح لأول مرة في حياتها. جلست على طرف السر,,ـــــير، وأخرجت هاتفها، وبدأت تبحث في صندوق ذكرياتها القديم. تذكرت والدتها رحمة الله عليها. كانت امرأة بسيطة جداً، تعيش في بيت قديم بحي السيدة زينب، وتعمل في خياطة الملابس لتنفق على منى بعد وفــ,,ـــــاه والدها. تذكرت الليلة التي احترق فيها الظرف… كان ذلك قبل وفــ,,ـــــاه والدتها بسنة واحدة، وقبل زواجها من شريف بأشهر قليلة.
في ذلك الوقت، كان شريف مجرد محامٍ شاب مبتدئ، يتردد على بيتهم بكثرة بحجة مساعدة والديها في إنهاء أوراق قانونية قديمة تخص قطعة أرض صغيرة في الصعيد. سألت منى نفسها: “هل كانت الأرض هي الميراث الحقيقي؟ أم أن هناك شيئاً أكبر بكثير؟”. في السادسة صباحاً، قبل أن تشرق الشمس، خرجت منى من البيت دون أن تشعر شريف. اتجهت مباشرة إلى منزل خالتها المسنة “أمينة”، الشخص الوحيد الباقي من جيل والدتها.
عندما فتحت خالتها الباب ورأت وجه منى الشاحب، عرفت أن السر الذي كُتم لعقود قد بدأ ينكشف. جلست منى أمام خالتها وقالت بصوت يرتجف: — يا خالة… مين نادية منصور؟ وأمي كانت مخبية إيه عني؟ دمعت عين الخالة، ووهزت رأسها بأسى: — كنت عارفة إن اليوم ده هييجي… أمك الله يرحمها عاشت وماتت وهي خايفة عليكي يا منى. نادية منصور مكنتش مجرد زبونة بتصلح هدومها عند أمك… نادية كانت شريكة أمك في سِر يهد جبال.
الجزء الرابع: الستار يسقط في الساعة الثامنة مساءً تماماً، كانت منى تجلس في مطعم هادئ تم حَجزه بالكامل لصالح عادل منصور. دخل عادل ببدلته الأنيقة وقاربه الوقور. جلس أمامها، وأخرج من حقيبته ملفاً جلدياً أسود، وضع فوقه الظرف المغلق الذي وعدها به. قال عادل بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقلاً جليلاً:
— مدام منى… أختي نادية الله يرحمها، كانت من أوائل سيدات الأعمال في مصر في الثمانينات. أسست شركة استيراد وتصدير ضخمة، لكن لما مرضت بالسرطان وعرفت إن أيامها معدودة، وبسبب مشاكل عائلية مع قرايبنا وقتها، قررت تسجل أكبر نسبة من أسهم الشركة وأصولها باسم الشخص الوحيد اللي وثقت فيه من كل قلبها… والدتك. منى حبست أنفاسها وهي تستمع. أكمل عادل وهو يفتح الملف:
— والدتك مكنتش تعرف حجم الثروة دي. نادية كتبت الوصية وسابت أوراق الأصول عندي أنا، ووصتني إني ما سلمكيش حقك إلا لما تكبري وتكوني قادرة تحمي نفسك… لكن اللي حصل إن والدتك لما مرضت، لجلأت للشاب اللي كان خطيبك وقتها… شريف الدمنهوري. قاطعت منى بصوت مخنوق: — شريف… — أيوه، شريف. شريف اكتشف الأوراق قبل ما أنتِ تعرفي عنها أي حاجة. استغل جهل والدتك بالقانون وضعفها في أيامها الأخيرة، وخلاها توقع على توكيلات تنازل عامة، ونقل كل أصول شركة “منصور” لشركة جديدة أسسها باسمه… هي اللي بقت النهاردة “مؤسسة الدمنهوري”.
فتح عادل الظرف وأخرج منه أوراقاً أصلية، بينها تقرير طب شرعي حديث، وخطاب مكتوب بخط يد والدة منى. — شريف اتجوزك مش حب يا منى… اتجوزك عشان يضمن إنك تفضلي تحت عينيه، ومحدش ينوّش ورا أوراق والدتك أو يطالب بميراثها. شغلِك في المؤسسة 11 سنة من غير مرتب مكنش مجرد خدمة… أنتِ كنتِ بتديري حلالِك وأملاكِك وأنتِ مش عارفة. شريف عاش طول السنين دي عالة على شقاكِ وعلى ورثك. انسكبت الدموع من عيني منى، ليس حزناً على شريف، بل على 27 سنة من عمرها قَضتها تُهان وتُستغل من رجل بنى كل مجده من سرقتها.
مسحت دموعها بثبات وقالت: — والـ 40 مليون؟ ابتسم عادل ابتسامة هادئة وقوية: — الـ 40 مليون دول مش سعر الزوجة اللي قال عليها “ملهاش لازمة”… الـ 40 مليون دول هم قيمة الأرباح الصافية اللي حسابه في البنك دخلها من أصولك في آخر 5 سنين بس. والحساب الحقيقي… لسه يبدأ بكرة. الجزء الخامس: الانتقام الناعم بعد ثلاثة أيام فقط… لم تطلب منى الطلاق في السر، ولم تصنع دراما عائلية. بل اتفقت مع أكبر فريق محامين في مصر أرسله لها عادل منصور.
تم تقديم بلاغ للنائب العام بتهم التزوير، الاستيلاء على أموال القصر، والغش التجاري. وبناءً على المستندات القاطعة وتقرير الطب الشرعي الذي أثبت تزوير توقيع والدتها، صدـ,,ـــر قرار عاجل بتجميد جميع أرصدة “مؤسسة الدمنهوري” وحظر سفر شريف الدمنهوري. في نفس الفندق الفخم، وفي نفس القاعة التي شهدت “المزاد”… أقامت منى الشناوي مؤتمراً صحفياً بصفتها المالك والمشرف العام والوحيد على المؤسسة بعد تسوية القضايا وإعادة كافة الحقوق لأصحابها. كانت تقف على المسرح، ترتدي فستاناً أبيض أنيقاً، وحولها العشرات من الصحفيين وكاميرات التلفزيون. وكان عادل منصور يقف بين الحضور، يبتسم بوقار.
رفع أحد الصحفيين الميكروفون وسألها: — مدام منى… إيه تعليقك على القبــ,,ـــــض على رجل الأعمال شريف الدمنهوري صباح اليوم بتهم التزوير والاستيلاء على الميراث؟ منى ابتسمت بثقة وهدوء، وقربت الميكروفون من شفتيها وقالت بصوت واضح يتردد في القاعة كلها: — شريف الدمنهوري وقف هنا من أسبوع وسأل الناس: “مين يدفع 400 جنيه في الزوجة دي؟”… النهاردة الحقيقة ردت عليه قدام مصر كلها. أنا طلعت بساوي مؤسسة كاملة بحجم ملايين… وهو طلع ما يسواش حتى الـ 400 جنيه اللي طلبها.