الجزء الثاني: بداية الحـ,ـرب خرجت من الشارع وأنا ماسكة إيد ابني ياسين، شنطة هدومي في إيدي التانية، وقلبي بيتدق فيه مليون طبول، بس المرة دي مش طبول خوف ولا قهرة… المرة دي كانت طبول حرب. أول خطوة خطيتها بره العمارة، حست إن الهواء اللي بجمعه في صدري نضيف، لأول مرة من 8 سنين أحس إني بتنفس بجد. جواد كان فاكر إن تهديده بـ “لو خرجتي مش هترجعي” هيهزني أو يخليني أركع وأبوس إيده، ميعرفش إن الست لما كرامتها تتداس، ومشاعرها تتقتـ,ـل، بتتحول لشخص تاني خالص… شخص مبيعتمش على الحدث، لكنه بيبني الخطة.
ركبت تكسي ورحت بيت أهلي. لما أبويا وأمي شافوني بالشنط والولد، يتخضوا: ـ “في إيه يا ولاء؟ أختك مروة كلمتنا وقالت إنك زعلتي ومشيتي، جواد عمل إيه؟” بصيت لأبويا بهدوء شديد، نبرة صوتي كانت متغيرة، مفيش دموع، مفيش انكـ,ـسار. حكيت لأبويا وأمي كل حاجة بالظبط، من أول كلام حماتي والقلم اللي أخدته، لحد الجملة اللي قالها لي وهو بيدس على كرامتي. أبويا قام وقفت، وشه جاب ألوان من الغضب، وكان هيمسك التليفون يكلم عمي (اللوا) ويقلب الدنيا، بس أنا وقفته بإيدي:
ـ “لا يا بابا… بلاش. لو أنت دخلت دلوقتي، هتبقى مشكلة عيلة، وهيردوا عليك بكلام كبرياء، وجواد هيعتبر إنك بتتخانق معاه. أنا مش عايزة حد يتدخل. أنا اللي هدير اللعبة دي بنفسي.” أمي بصتلي بصة دهشة: “تعملي إيه يا بنتي؟ أنتِ ناوية على إيه؟” ابتسمت ابتسامة هادية جداً وقسوة الدنيا كلها في عينيا: ـ “ناوية أخليه يعرف قيمتي… ناوية أخليه يشوف ‘ولاء’ الجديدة.” أول خطوات الخطة: إعادة البناء
أول حاجة عملتها، قفلت تليفوني القديم خالص، وغيرت رقمي. مكنتش عايزة أي وسيلة تواصل معاه، ولا حتى رسالة عتاب واحدة. الخصام المرة دي مش عشان يتصل أرد عليه، الخصام المرة دي غياب تام. ثاني حاجة، بصيت لنفسي في المراية. أنا عندي 35 سنة، معايا ليسانس حقوق مكنتش بستخدمه، طالعة من تجربة هدت صحتي ونفسيتي. قررت أبدأ من جديد: الشغل: قدمت في مكتب محاماة كبير تبع واحد من أصحاب بابا القدامى. نزلت أتتدرب وأشتغل بجدية، رجعت أفتح كتب القانون، أقرأ القضايا، وألبس بدلي وأروح المحاكم.
المظهر: اهتميت بنفسي جداً، غيرت لوني، اهتميت ببشرتي ولبسي، بقيت ألبس شيك جداً وواثقة في كل خطوة بمتشيها. السوشيال ميديا: عملت حساب جديد على إنستجرام وفيسبوك، وبدأت أنزل صور ليا ولشغلي، صور وأنا ببتسم، وأنا ناجحة، وأنا مع ابني في أماكن شيك، من غير ولا كلمة عتاب أو تلميح عن الجواز أو المشاكل. الهدوء الذي يسبق العاصفة عدا شهر كامل… جواد في الأول كان فاكر إنها زي كل مرة، أسبوع أو أسبوعين وهتصل أعيط واستعطفه عشان أرجع. بس الشهر عدى، مفيش تليفون، مفيش رسالة، مفيش حتى محاولة للصلح عن طريق أهلي.
بدأت الأنا عنده تتأذى. هو متعود إن أنا اللي بملى البيت حركة واهتمام، متعود إن أكلاته جاهزة، وهدومه متلمعة، وأنا مستنياه عند الباب بابتسامة. دلوقتي البيت فضي عليه، الحنية اللي كان بياخدها مجاناً اختفت، وفي نفس الوقت، كبريائه منعاه يكلمني. في يوم، كنت في المحكمة بحضر قضـ,ـية كبيرة مع المحامي صاحب المكتب، وفجأة وأنا طالعة من القاعة، لقيت حد واقف بيبصلي بذهول… كان عمي (اللوا)، بابا جواد! عمي شافني واقفة بالبدلة الشيك، ماسكة ملف القضايا، وبكاشف وبتكلم بجرأة ولباقة مع المحامين والقضاة. اتصدم! هو كان فاكرني القعدة في البيت اللي ملهاش قيمة.
قرب مني وقال بنبرة متفاجأة: ـ “ولاء؟ إيه ده؟ أنتِ بتعملي إيه هنا؟” سلمت عليه بهدوء وثقة، وابتسمت ابتسامة رسمية جداً: ـ “أهلاً يا عمي. أنا بشتغل هنا، أصل نسيت أقول لحضرتك إن معايا ليسانس حقوق، وقررت أرجع لمجالي وأثبت نفسي.” عمي بصل بذهول وقال: “بس… أنتِ وجواد… البيت مقلوب، وهو متضايق جداً وماشي يزعق للكل.” رديت ببرود قـ,ـاتل: ـ “ربنا يهدي الجميع يا عمي. عن إذنك عشان عندي جلسة ثانية.”
سبته ومشيت وراسي مرفوعة. وعرفت إن الكلمتين دول هيوصلوا لجواد قبل ما يوصل بيته. النار تبدأ في الاشتعال بالفعل، بالليل، التليفون بتاع بابا رن. كان جواد! بابا رد عليه ببرود، وجواد كان صوته متوتر ومشدود: ـ “يا عمي… هي ولاء فين؟ وبتروح فين كل يوم؟ وبأي حق بتشتغل من غير ما تاخد إزني؟” بابا رد عليه بثبات معلم بسببي: ـ “والله يا جواد يا ابني، ولاء كبرت وعرفت قيمة نفسها. أنت مش كنت بتقولها أنتِ ولا حاجة؟ هي دلوقتي بتبتدي تبقى حاجة. وبعدين أنت مش طلـ,ـقتها ولا هجرتها؟ هي عايشة في بيت أبوها ودلوقتي هي مسؤولة مني ومن نفسها.”
جواد أخد نفسه بصعوبة وقال: ـ “أنا مقولتش طلاق! هي اللي مشيت! خليها تلم هدومها وترجع بيتها فوراً، وإلا…” بابا قطعه وقال: “وإلا إيه يا حضرة الظابط؟ أنت ناسي إنها بنت عمك قبل ما تكون مراتك؟ لو عايزها، تيجي تتكلم زي الرجال، وتقولنا أنت شايفها إيه بالظبط.” وقفل السكة في وشه! الضـ,ـربة دي جننت جواد. الظابط المعتز بنفسه، اللي الكبرياء عاطية على وشه، يتعمل معاه كده؟ اللقاء الأول: المواجهة بعد أسبوع، كنت قاعدة في كافيه شيك مع زمايلي في الشغل بعد قضية كسبناها. كنا بنضحك وبنتكلم، وفجأة حسيت بظل طويل واقف فوق دماغي.
رفعت عيني… كان جواد. كان باين عليه التعب، وشه مشحوب، وعينيه فيها شرار غضب ومزيج من الذهول. مكنش مصدق إن دي مراته “السمرا الهادية اللي كانت بتعيط تحت رجله”. وقفت بثبات وبصيت له: ـ “حضرة الظابط جواد الراوي… خير؟ في حاجة تخص ياسين؟” جواد بص لزمايلي بغضب وقالي بصوت واطي ومكتوم: ـ “قومي معايا فوراً… عايز أتكلم معاكي.” استأذنت من زمايلي بهدوء، وخرجت معاه بره الكافيه. وقفنا في مكان هادي، وبصلي بغـ,ـضب وقال:
ـ “أنتِ إيه اللي بتعمليه ده؟ تحولي كده إزاي؟ لبسك، شغلك، طريقة كلامك! أنتِ نسيتي أنتِ متجوزة مين؟” ابتسمت ابتسامة سخـ,ـرية، نفس الابتسامة اللي سبته بيها يوم ما مشيت: ـ “لا يا جواد، أنا منسيتش. أنا بس افتكرت أنا مين. افتكرت إني ‘ولا حاجة’ زي ما مامتك قالت وزي ما أنت وافقتها. فقررت أكون حاجة… بس لنفسي، مش ليك.” قرب مني خطوة وقال بنبرة فيها انكسار بيحاول يداريه: ـ “ولاء… أنتِ عارفة إني بغير، وعارفة إنك بتعملي كل ده عشان تدايقيني. ارجعي بيتك ونحل كل حاجة بالهدوء.”
رديت عليه بثقة زلزلت أرضه: ـ “أرجع؟ أرجع للبيت اللي كنت فيه خدامة؟ للبيت اللي اضـ,ـربت فيه بالقلم لمجرد إني دافعت عن كرامتي؟ لا يا حضرة الظابط… أنا زمان كنت بحبك لدرجة المـ,ـوت، لكن القلم ده صحاني. أنت خفت تخسر شغلك عشان خطيبتك القديمة، بس متضايقتش إنك تخسر كرامة مراتك وأم ابنك. أنت دلوقتي بالنسبة لي مجرد مجرد ذكرى.” جواد عينه وسعت بصدمة، النبرة والقوة دي مكنش يتخيلها مني أبداً. وقال بصوت مرتعش:
ـ “يعني إيه؟” طلعت من شنطتي ورقة وقدمتهاله: ـ “دي دعوى خلع يا جواد… أظن حضرة الظابط مش هيحب يتقال إنه بيتخـ,ـلع في المحاكم، فلو عندك بقية من كبرياء… طلقني بهدوء.” النتيجة المحتومة سيبته واقف في الشارع مذهول، مش قادر يستوعب إن الست اللي كانت بتتمنى منه ابتسامة، دلوقتي بترميه ورا ظهرها وبتقدم له ورقة الخلع.
بعدها بأيام، جالي البيت… مش الظابط المغرور، لكن راجل مكسور، جيه يتأسف قدام بابا وأمي، جيه يترجاني أرجع، وقال إنه اكتشف إنه مكنش شايف نعمة ربنا اللي في إيده غير لما راحت منه، وإن حب حياته الحقيقي كان أنا، بس غـ,ـروره وعقده النفسية هما اللي كانوا عمييينه. دموعه نزلوا قدامي… الدموع اللي حنفت إني هخليه يبكيها بدال الدم دم. بس هل رجعت له؟
الكرامة لما بتتصلح، بتعلمنا إن السهم اللي بيطلع من القوس مبيرجعش. وافقت على الطلاق الهادي، وأخدت حقوقي كاملة. وحالياً، أنا واحدة من أنجح المحاميات، وابني ياسين فخور بيا. وجواد؟ بيحاول كل يوم يبعتلي، بيحاول ينظورلي نظرة واحدة بس زي ما كنت بتمنى زمان… بس المرة دي، أنا اللي مش شايفاه!