ـ حورية.. اهدي، أنا آسف.. خلاص مش عايز أعرف حاجة والله، اهدي يا حبيبتي.. لكن حورية كانت بدأت تدخل في حالة نفسية صعبة، مسكت القلم بأيد بترتجف بشدة، وكتبت كلمات متقطعة والدموع بتنزل على خدودها زي المطر: “حريق… البيت القديم… أمي… كانت بتصرخ… وأنا… ما قدرتش أنقذها… الصراخ وقف… وصوتي وقف معاه.” حمزة قراء الكلام ورجله شالته فوراً من مكانه، قعد على الركبة جنب كرسيتها، وح.ضن إيديها ب حنان بالغة:
ـ بس بس.. خلاص يا حورية، أنا آسف، حقك عليا يا عمري.. خلاص مش هنسأل ولا نرجع للماضي ده أبداً. في اللحظة دي، حمزة أدرك إن البنت دي مش مجرد زوجة جميلة، دي روح مكسورة محتاجة أمان، وعاهد نفسه إنه هيكون السند والسور اللي يحميها من كل كوابيسها. مرت الأيام، والقصة بدأت تاخد منحنى جديد تماماً.. حمزة تغير 180 درجة، بقى يروح الشركة مع والده، بدأ يتحمل المسؤولية ويثبت نفسه، والسبب الأول والأخير كان حورية.. حوريه كانت مصدر طاقته وسلامه الداخلي.
ولكن.. الحياة مش بتفضل هادية على طول. في يوم، كان حمزة في شغل ورجع البيت بدري مفاجأة لحورية عشان يعمل لها سبرايز وياخدها يسافروا دهب يقضوا ويك إند هادي. أول ما فتح باب الشقة، لقى الهدوء عم المكان بشكل غير عادي. ـ حورية؟.. يا حورية؟ مفيش رد. دخل أوضة النوم، ملهاش أثر.. دخل المطبخ، مفيش حد. فجأة، لمح باب البلكونة مفتوح، ورقعة ورقة مرمية على الأرض جنب الشباك! حمزة جرى على الورقة ونبضات قلبه صرخت في صدره.. رفع الورقة ولقى مكتوب فيها بخط يده هو؟ لا.. مش خطه! خط غريب ومكتوب فيه:
“لو عايز تشوف حورية تانية وهي بتتنفس.. قدامك ساعتين تيجي المبنى المهجور في طريق السخنة القديم.. ومفيش داعي للبليس، وإلا صوتها مش هيقطع بس.. دي حياتها هي اللي هتتقطع.” حمزة حاط إيده على راسه وجسمه كله تقشعر من الصدمة والرعب. مين دول؟ وإيه علاقتهم بحورية؟ وهل الصدمة القديمة ليها علاقة بوالدها أو بحادقة الحريق اللي حصلت زمان؟ مسك حمزة تليفونه وركب عربيته وطار بأقصى سرعة وهو بيكلم والده ووالد حورية بصوت مرعوب:
ـ عمي خالد!! حورية اتخ.طفت!! في حد ساب ورقة في البيت!! مين ممكن يعمل كده يا عمي؟ مين له مصلحة يضرها؟! على الطرف التاني من التليفون، خالد صمت لحظات، وصوته تحول لذهول وخوف شديد وهو بيقول: ـ مش معقول… هو رجع تاني؟! حمزة.. متعملش أي حركة طايشة، الشخص ده مجنون.. ده “سامر”! حمزة ض.رب الدريكسيون بقوة وسأل وهو بيصرخ: ـ مين سامر ده يا عمي؟! اتكلم بسرعة!! رد خالد بصوت يرتجف:
ـ سامر ده… يبقى الشاب اللي كان السبب في الحريق القديم، الشاب اللي حاول يجبر حورية تتجوزه زمان ولما رفضته ولع في بيتنا وأمها ماتت في الحريق.. ودخل السجن من سنين! أكيد خرج… حمزة، حورية في خطر حقيقي! حمزة قفل السكة، وعينيه اتحولت لكتلة من النار، وداس على البنزين لآخره. الشاب الطايش بتاع زمان اختفى تماماً، ودلوقتي في راجل مستعد يهد الدنيا كلها عشان البنت اللي سرقت قلبه وسكونه. وصل حمزة للمبنى المهجور، المكان كان مظلم ومخيف، الشجر الميت مالي المكان وصوت الهواء بيصفر في الممرات.
نزل حمزة ومسك عصا حديدية كانت في شنطة العربية، ودخل بخطوات ثابتة ونفاذ صبر.. ـ حوررررية!! صوت ضحكة خبيثة رن في المكان من الدور التاني.. ـ أهلاً بالعريس.. نورت يا باشمهندس. طلع حمزة السلم بسرعة، ولقى حورية مربوطة على كرسي خشبي، وفي بلستر على بقها، وعيونها مليانة دموع ورعب، وجنبها واقف شخص هيئته مريبة وفي إيده مطواة حادة! حورية أول ما شافت حمزة، بدأت تتحرك بهستيرية وتهز رأسها كأنها بتقوله: “امشي.. هيرميك أو يق.تلك!”
حمزة بصلها بثبات وقال بنبرة هادية عشان يطمنها: ـ متخافيش يا حورية.. أنا هنا، وماحدش يقدر يلمس شعرية منك طول ما أنا بتنفس. سامر بضحكة مستفزة: ـ الله الله على الرومانسية! بس للأسف القصة دي نهايتها مش سعيدة يا باشمهندس.. حورية دي ملكي أنا من زمان، وأنت جيت أخدت حاجة مش بتاعتك! حمزة قرب خطوة: ـ حورية مش ملك حد.. حورية إنسانة، وأنت مجرد مجرم مريض مكانك السجن.
سامر اتعصب وهجم على حمزة بسرعة بالمطواة، حمزة تفادى الض.ربة بالعافية، واتلاحم معاه في مشاجرة قوية. الأجواء كانت مشتعلة، ض.ربات متبادلة، وحورية بتبص عليهم بقلب بيتقطع، والدموع مغرقة وشها وهي بتستنجد بأي طريقة لكن صوتها محبوس جواها. في لحظة، قدر سامر يض.رب حمزة بقطعة خشبية على رأسه، حمزة وقع على الأرض ودمه بدأ ينزل، وسامر وقف فوقه وهو بيضحك بشر ورفع المطواة عشان ينهي حياته.. في اللحظة دي بالذات.. حورية شافت حمزة بيموت قدام عينها، شافت نفس الشبح اللي أخد منها أمها زمان بياخد منها الشخص الوحيد اللي حساها بالأمان والحب الحقوقي..
جسم حورية اتفض بشدة، وشعور عارم بالخوف والرغبة في الإنقاذ انفجر جواها.. كسر السكوت اللي دام لسنين طويلة، وانطلق من أعماق حنجرتها صرخة مدوية هزت أركان المبنى: ـ لاااااااااااااااااااااااا!! حمزةةةةةةةةة!! صوت حورية رجع! صرخة طالعة من قاع قلبها. سامر اتصدم واتصلب في مكانه من المفاجأة، وصوت حورية اللي مسمعهوش من سنين رجع يكسر الصمت.. وفي ثانية الذهول دي، استغل حمزة الفرصة بكل ما بتمتلكه قوته، وقام ض.رب سامر بكل قوته في رجليه أوقعه على الأرض، وسحب المطواة منه وثبته بقوة.
في نفس اللحظة، صوت سرينات الشرطة رن في المكان، ودخل خالد ومحمود والد حمزة مع رجال الشرطة اللي ألقوا القبض على سامر فوراً وكتفوه. حمزة ساب كل حاجة، وجري على حورية وهو بيترجل، فك حبالها وشال البلستر من على بقها.. حورية ارتمت في ح.ضنه وهي بتبكي بهستيرية، بس المرة دي.. كانت بتبكي وتتكلم! ـ حمزة.. أنت كويس؟ راسك بتجيب دم.. أنا أسفة.. أنا أسفة يا حمزة! حمزة مسك وشها بين إيديه، ودموعه اختلطت بدمائه، وابتسم ابتسامة عريضة من بين التعب:
ـ صوتك… صوتك رجع يا حورية! أنتِ اتكلمتي! حورية بصلت له بذهول، وحطت إيدها على حنجرتها وهي مش مصدقة.. صرختها عشان تنقذ حب حياتها كسرت القيد النفسي اللي كان حابس صوتها لسنين. ح.ضنها حمزة بقوة وهو بيسند راسه على راسها: ـ أنا الفداء لصوتك ده يا حورية.. أنا اللي أشكرك إنك أنقذتيني بصوتك. عدت الأيام، والمبنى المهجور بقى مجرد ذكرة من الماضي انتهت بجلوس سامر خلف القضبان للأبد. في جنينة بيت حمزة وحورية الجديد، الشمس كانت دافية، وحورية قاعد بتشرب شاي، وحمزة جنبها ماسك الأجندة القديمة وبيقلب في صفحاتها ويدندن.
حورية قربت منه وسحبت منه الأجندة وقالت بصوتها الناعم الرقيق اللي بقى زي نغمة الموسيقى في البيت: ـ بتعمل إيه بالأجندة دي دلوقتي؟ ما خلاص.. أنا بقيت بتكلم، ولغة الإشارة اللي تعبت نفسك عشان تتعلمها مش هنحتاجها زي زمان. حمزة أخد إيدها وقبلها بحب، وبصلها بعيون مليانة شغف: ـ الأجندة دي هي اللي عرفتني على حقيقتك يا حورية.. دي اللسان اللي اتكلمت بيه أرواحنا لما الكلمات كانت عاجزة.. والأجندة دي هفضل أحتفظ بيها عشان أحكي لولادنا بعدين كيف السكوت بتاعك علمني أزاي أحب، وكيف صوتك لما رجع.. أحياني من جديد.
حورية ابتسمت بخجل، وسندت رأسها على كتفه، وهما بيبصوا للمستقبل الجميل اللي بدأوه سوا.. بقلبين اتعلموا يسعوا بعض، بالكلمات.. وبالسكون. ⬇️⬇️