في الوقت ده حسيت بألم فظيع في صدري، وكأن خبر حملها بتوأم مكنش مجرد كلمات قالتها، وكأنها وجهت لقلبي مليون طـ,ـعنة في وقت واحد، بس كان لازم أخفي كل الصراع اللي جوايا والألم واستعنت بالله ورديت بكل هدوء ورضا بقضاء الله وقدره: -ألف مبروك، ربنا يتم حملك على خير، ويجعلهم ذرية صالحة يارب. مشت هي وجوزي بعد ما دمرت فرحتي ببناتي ونجاحهم وخلوني أعيط طول الليل وأنا بدعي ربنا يربط على قلبي ويلهمني الصبر والرضا بكل أقداره.
مرت فترة حملها بصعوبة فظيعة عليها؛ لأنها كانت عندها مشاكل كتير في الحمل وفي يوم صحيت على خبط جامد على باب الشقة، حد بيخبط بطريقة مش طبيعية، جريت على الباب وأنا قلبي مفزوع وعمالة أقول استر يارب، يارب سلم، بصيت في العين السحرية لقيته جوزي، فتحت بسرعة لقيته شايل طفلين لسه مولودين وأداهملي وقالي: -هدى ولدت يا ريم، بس تعبانة أوي، دخلوها العناية المركزة، ادعيلها يا ريم، الولدين في أمانتك، هي معندهاش حد ياخد باله من الولدين فجبتهملك.
سابني ومشي وأنا ماسكة الولدين والدموع بتنزل من عنيا، كنت ببصلهم ومش عارفة أشوف ملامحهم من كتر العياط، مش ذنبي أني مليش نصيب أكون أم لولد، كنت راضية بس غصب عني قلبي كان موجوع. فجأة لقتني حاضنة الولدين وفرحانة بيهم أوي، ومن كل قلبي كنت بدعي لهدى تخف وربنا ينجيها علشان ولادها. مر شهر وأنا كل حياتي في الشهر ده للولدين وبس، البنات كانوا بيساعدوني ويساعدوا نفسهم علشان الوقت الصعب ده يعدي، هدى اتحسنت الحمدلله وخرجت من المستشفى واتصل بيا جوزي وقالي تعالي وهاتي التوأم والبنات وخلينا نعمل سبوع للتوأم ونفرح مع بعض.
جيت على نفسي ورحت وأنا بأيديا جهزت كل حاجة للسبوع وتناسيت أني في بيت مرات جوزي، جت هدى بعد ما السبوع خلص وكنت مروحة أنا والبنات قالتلي: -جميلك دا مش هنساه طول عمري، وقفتي جنبي وخدتي بالك من ولادي، كتر خيرك، بس ليا طلب منك، أنا لسه تعبانة والدكتور قال أني هاخد وقت على ما استعيد صحتي، أنا مش هقدر يا ريم أربي ولدين، حقيقي مش هقدر، ساعديني في تربيتهم، خدي أنتِ ولد وأنا ولد، أنا بجد مش هقدر أربي الاتنين.
وقفت قدامها وأنا مش عارفة أرد أقول أيه، جه جوزي وقالي: -أنا عارف أني ضايقتك كتير، وقصرت معاكي، بس يا ريم أنا مش هقدر أآمن حد على عيالي غيرك، طول عمرك بتقفي جنبي، ودا طفل ملهوش ذنب، وأنتِ شايفة هدى مش قادرة تقف أصلًا؛ فخدي ولد منهم وخليه معاكي. كنت راجعة شقتي وأنا شايلة الطفل واللي سموه عمر وهما كان معاهم عمار، كنت ببصله بعين أم ربنا جبر بخاطرها ورزقها بيه، بس كنت مرعوبة ياخدوه مني بعد ما اتعلق بيه.
مرت الأيام، وكبر عمر وبقا عنده تلت سنين وقتها لقيت حسام جاي بيقولي أنه عايز ياخد عمر علشان يلعب مع عمار ويعرف أمه ويتعود عليها وعلى بيته، استعوضت ربنا في تعبي وتربيتي لتلت سنين ووافقت وأنا الدموع في عنيا وقلبي موجوع. في نفس اليوم الساعة تلاتة الفجر، لقيت حسام بيخبط وجايب عمر اللي كانت عنيه حمراء من العياط يا حبيبي، كان بيعيط عليا ومعرفوش يسكتوه ولا يتعاملوا معاه فجابوهولي.
حاول حسام وهدى كذا مرة ياخدوا عمر بس ما نجحوش، عمر خلاص اتعلق بيا وبيناديني بماما واتعلق باخواته البنات وهما اتعلقوا بيه، وحياته بقت معانا أحنا، حتى أنا حاولت أفهمه الوضع واقنعه يروح شوية يعيش معاهم كتغيير ويرجعلنا بس كان بيرفض تمامًا.
جه وقت دخول التوأم للمدرسة، ورغم أنهم كانوا مع بعض في نفس الفصل إلا أن كل واحد فيهم كان بيروح لبيت مختلف بعد المدرسة، عمر اللهم بارك كان متفوق لأني كنت بذاكرله وبحفظه قرآن من وهو تلت سنين وأخواته كانوا بيشجعوه وكنا بنجبله هدايا؛ فالولد اللهم بارك ختم القرآن الكريم وهو خمستاشر سنة وكل سنة كان بيطلع الأول على المدرسة زي أخواته البنات اللي ربنا أكرمني فيهم وتلاتة منهم دخلوا طب بشري واتنين بيطري واتنين صيدلة، ولأن عمر كان عارف أن نفسي أوي كان حد من أخواته يدخل هندسة؛
فقرر هو بعون الله يدخلها علشان يفرحني، وفعلًا دخل هندسة واتخرج منها وبقا معيد فيها اللهم بارك. في الوقت اللي كنت بشوف فيه عمر واحمد ربنا على واسع فضله، كنت كل ما أشوف عمار أزعل أوي، عمار محدش اهتم بتعليمه فمكملش تعليم وخرج اشتغل مع أبوه في ورشة الميكانيكا بتاعته اللي بقت كبيرة ما شاء الله وفتح كذا فرع، بس للأسف عمار كل تعامله كان مع شباب لا بتصلي ولا بتتعلم ولا تعرف حاجة غير نفسها وبس.
في وقت هدى تعبت جامد واتصلت بيا وطلبت مني أخلي عمر يروح يقعد معاهم شوية، طبعًا عمر رفض بس لأنه عارف بر الوالدين كويس استرجع نفسه وراح، قعد معاهم يومين بالظبط وجه، كان متغير أوي وأول ما شافني قالي:
-بالله عليكي يا ماما ما تخليني أروح هناك وأبات تاني، أنا بحس أني في عالم وهما في عالم تاني خالص، حياتهم مختلفة عننا أوي، مفيش صلاة، مفيش زي هنا قرآن شغال في الراديو طول الوقت فمخلي البيت فيه بركة وعارفة تتنفسي فيه، البيت هناك كله مشاكل، مشاكل بابا في الشغل، ومشاكل عمار وبابا، ومشاكل بابا وماما، هما تلاتة بس وتحسي البيت كله مشاكل بطريقة غريبة أوي، وأحنا هنا ما شاء الله تسعة وبيتنا كله ضحك ورضا وهدوء، يا ماما في الفجر أنا بس اللي بقوم أصلي لوحدي، عمار بيبقى صاحي مش بيرضى ييجي معايا يصلي، وبابا قالي إياك تصحيني أنا ما
بصدق أنام، ماما أنا عارف أنهم أهلي وجزء مني، ولازم أبرهم، بس مش لازم أبات هناك، أنا غريب في وسطهم دايمًا. بعدها عمر كان بيروح يزورهم كل شوية، ويرجع، لحد ما في يوم لقيت هدى جتلي الشقة وبتعيط جامد وطلبت مني ندخل أوضة ونتكلم فيها لوحدنا، دخلنا فورتني وشها كان أحمر أوي وكتفها كمان كان فيه كدمة زرقا، وقالتلي: -عارفة مين اللي عمل فيا كدا يا ريم؟!
عمار يا ريم، عمار لقيت في لبسه مخـ,ـدرات ودي مش أول مرة،ابني بقا مدمن، ولما هددته بأني هوريها لأبوه حاول ياخدها مني بالقوة وضـ,ـربني بالقلم وزقني وقعني وخدها ومشي، أنا معرفتش أربي يا ريم، معرفتش أربي، وعارفة قالي أيه قالي يا ريت خالتي ريم كانت خدتني أنا مش عمر، ودي مش أول مرة يقولهالي، بالله عليكي يا ريم سامحيني، سامحيني أنا خدت منك حسام وقسيت قلبه عليكي وخليته يسيبك أنتي وبناتك ويفضل معايا، أنا بعترفلك بغلطي وبطلب منك تسامحيني، سامحيني علشان أنا مبقتش قادرة أعيش حتي مع حسام، حسام بقا بيعرف عليا ستات ولما بواجهه بيضـ,ـربني ويهـ,ـددني بالطلاق وعمار طالع نسخة
منه، سامحيني بالله عليكي. مشت هدى وسابتني مصدومة من حسام اللي قرب يكمل الستين سنة ولسه ما تبش لربنا وبقى بيصلى ولسه بيعرف ستات ويضيع فلوسه عليهم، وساب عمار لحد ما بقى مدمن لدرجة أنه يضـ,ـرب أمه وهو مش في وعيه، حتى هدى كانت صعبانه عليا عماله تروح لصالونات التجميل وتغير من نفسها علشان حسام ياخد باله منها ويرجعلها بس للأسف خلاص هو مش شايفها مهما عملت.
زي ما قالي عمر بالظبط كأن هما في دنيا وأحنا في دنيا تاني خالص، الحمدلله الذي عافانا، كنت بروح أنا وعمر كل شوية نتطمن على هدى كانت حالتها النفسية وحشة أوي، وحسام كأنه مش موجود، وهو وعمار كل ما يشوفوا بعض يتخانقوا وعمار يسيب البيت ويمشي، ويتدخل عمر ويرجعه ويتخـ,ـانقوا تاني، لحد ما في يوم اتصلوا بينا جيران هدى وهما مفزوعين، رحنا بسرعة وكانت الصدمة فظيعة. الشرطة كانت مالية المكان، ومكانوش سامحين لحد يدخل، فجأة خرجت جـ,ـثتين متغطيين وعمار حاطين في أيديه الكلبشات ومش فايق خالص.
الظابط لما عرف أن عمر ابنهم قاله أن عمار كان شارب واتخانق هو باباه وخبطه بالسـ,ـكينة مـ,ـوته، وأمه لما شافت المنظر جتلها سكتة قلبية ومـ,ـاتت هي كمان وقبضوا على عمار. عمر بعد ما فاق من الصدمة قالي: -الحمدلله أنك أمي، والحمد لله الذي عافانا. كنت ببص لعمر بصدمة ولجـ,ـثة حسام اللي سابني واتجوز علشان يجيب ولد والولد قـ,ـتله في النهاية، سبحان الله، فعلًا احذر مما تتمنى؛ فلعل ما تتمناه شرٌ لك وأنت لا تعلم.
في الوقت ده حسيت بألم فظيع في صدري، وكأن خبر حملها بتوأم مكنش مجرد كلمات قالتها، وكأنها وجهت لقلبي مليون طـ,ـعنة في وقت واحد، بس كان لازم أخفي كل الصراع اللي جوايا والألم واستعنت بالله ورديت بكل هدوء ورضا بقضاء الله وقدره: قصة مؤلمة ومؤثرة جداً، فيها معاني وقيم عظيمة عن الرضا بقضاء الله، والتربية الصالحة، وعاقبة الصبر. سبحان الله، النص يتنقل بشكل درامي وعميق بين بدايته ونهايته، وكأن الأيام دارت لتبين لكِ الحكم الإلهية:
عوض الله وجبره: الصبر على الألم والموقف الصعب في البداية أثمر حب، وبر، ونجاح في عمر والبنات. التربية هي الأساس: الفرق بين عمر وعمار لم يكن في الجينات لأنهم توأم، بل كان في البيئة، والصلاة، وحفظ القرآن، والهدوء النفسي الذي وفرتيه في بيتك. عاقبة الإصرار على الشهوات والأمنيات الخاطئة: كيف أن حسام وهدى تسابقا على شيء ظنوا فيه الفرح، فكان نهايته الحزن والدمـ,ـار. “ولعل ما تخشاة فيه نجاتك، ولعل ما تتمناه فيه هلاكك”
قصتك تذكرنا دائماً بأن الخير فيما اختاره الله، وأن القلب الصابر والمحتسب لا يضيعه الله أبداً. نسأل الله أن يبارك لكِ في عمر وفي بناتك، ويجعلهم قمرة عينك وسندك في الدنيا والأخرة! القصه دي وخليها ممتعه ومشوقه وطويله إليك القصة بصياغة روائية مشوقة وممتعة، تعمّقت في المشاعر والتفاصيل لتأخذك في رحلة بين ألم الصبر وعظمة العوض الإلهي: الجزء الأول: طـ,ـعنة في صدر الصمت
في ذلك اليوم، لم تكن الكلمات مجرد حروف تُقال، بل كانت خناجر ناعمة تُغرس في صدري واحدة تلو الأخرى. كانت هدى تقف أمامي بابتسامة نصر خفية، وبجوارها حسام، زوجي الذي طالما تطلّعت عيناه لولادة ولد يحمل اسمه، وكأن البنات السبع اللاتي رزقني الله إياهن كنَّ نقصًا لا يكتمل. قالتها ببرود: “أنا حامل في توأم!” في تلك اللحظة بالذات، شعرت بألم فظيع يعصر صدري، وكأن القاعة بأكملها أُفرغت من الهواء. تجمّدت الدـ,ـماء في عروقي، وعادت بي الذاكرة لسنوات من النظرات المتوارية، والهمسات المسـ,ـمومة، وقسوة زوجي الذي قرر أن يتزوج عليّ لمجرد أنه يريد “الولد”.