منوعات

كل يوم صوت صـ,ـريخ

حبست سارة أنفاسها، واضعة كفها على فمها لدرجة أن أظافرها كادت تغرس في جلدها لتمنع أي صوت، حتى ولا زفير مخنوق. كانت الأرض تحت السرير جليداً، لكن جسمها كله يتصبب عرقاً بارداً. صوت طارق! الصوت الذي بكته سنتين كامليتين، الصوت الذي سمعت تسجيلاته وصوت ضحكته ألف مرة وهي تبكي في الليالي المظلمة.. هو نفسه الصوت القادم من مكبر صوت تليفون هذه الغريبة! جاء رد طارق عبر الهاتف، بصوت جاف وخالٍ من أي عاطفة:

“يعني إيه مراحتش الشغل؟ عربيتها مش قدام العمارة يا رانيا! أنا لسه معدي من الشارع اللي ورا ومفيش أثر للعربية.” أجابت المرأة التي تُدعى رانيا، وهي تفتح دولاب سارة وتتحرك بثقة مرعبة: “أنا دخلت الشقة ملقتهاش، بس الشنطة مش في الصالة، والجزمة اللي بتنزل بيها مش موجودة.. هي أكيد نزلت، بس يمكن راحت مكان تاني قبل المكتب. المهم، أنت متأكد إن الأوراق اللي تديننا في شركة التأمين لسه في خزنتها هنا؟”

ضحك طارق عبر الهاتف.. ضحكة قصيرة وسافرة جعلت قلب سارة يعتصر ألماً وقرفاً: “سارة غبية ونيتها طيبة.. فاكرة إني مـ,ـت في الحـ,ـادثة وخدت التعويض الكبير من الشركة وقعدت تنوح عليه. الخزنة ورا تابلوه الصالون، الباسورد تاريخ جوازنا.. 1402. هاتي الفلاشة اللي فيها أوراق إفلاس الشركة وتزويـ,ـر التوقيعات، واطلعي فوراً.. الجارة العجوزة دي شكلها بدأت تشك وتعمل دوشة.” ردت رانيا ببرود: “البت سارة دي كانت بتصرخ امبارح بالليل وهي نايمة، سمعتها وأنا جوة المطبخ بفتش.. شكل كوابيسها زادت، والجارة افتكرت الصوت طالع طول النهار. يلا، أنا هفتح الخزنة وآخد الورق.”

سكت الصوت، وسمعت سارة خطوات الكعب وهي تبتعد متجهة نحو الصالون. في تلك اللحظة، امتزج الخوف البارد في عروق سارة بغضب نار حارقة! سنتان من الحداد.. سنتان وهي تظن أنها فقدت حب عمرها، سنتان من العلاج النفسي والعزلة والاكتـ,ـئاب.. بينما كان يخطط مع زوجته أو حبيبته السرية لسـ,ـرقة شركة التأمين، وتزويـ,ـر أوراق مـ,ـوته، وجعلها هي الضحية والأداة لتمرير اللعبة! بدون أن تفكر، مسكت سارة تليفونها، ونقلت صباعها من رقم 122 إلى زر التسجيل (Voice Recorder).. ثم خرجت ببطء شديد وبدون أي صوت من تحت السرير.

كانت تتنفس بحذر. سحبت من تحت السرير الفردة الثقيلة لتمثال نحاسي قديم كان مكسوراً ومحفوظاً أسفل السرير. مشيت بحفاء تام على طرقة الشقة. في الصالون، كانت رانيا واقفة ظهرها للباب، تُزيح اللوحة الزيتية وتدخل الأرقام السرية على فتحة الخزنة الجدارية. التليفون كان ما يزال في يدها ومفتوحاً على المكبر. سمعت سارة صوت طارق من السماعة وهو يقول: “فتحت يا رانيا؟ انجزي عشان العربية مستنياكي تحت..” فجأة، وقفت سارة بثبات خلف رانيا تماماً، وقالت بصوت ثابت كالسيف، مليء بالغل والجمود:

“الخزنة مش تفتح غير بيا أنا يا طارق.. عشان أنا غيرت الباسورد من أسبوع.” تجمدت رانيا في مكانها! سقط التليفون من يدها على السجادة. وعبر مكبر الصوت في التليفون الملقى على الأرض، خرج صوت طارق مرعوباً ومذهولاً: “سـ.. سارة؟! أنتي.. أنتي فين؟!” التفتت رانيا ببطء ووجهها شاحب كالمـ,ـوتى، لترى سارة واقفة أمامها، عيناها تشتعلان غضباً، وفي يدها التمثال النحاسي الثقيل والتليفون الذي سجّل كل كلمة! ابتسمت سارة ابتسامة باردة وقالت لرانيا:

“أهلاً بيكي في بيتي.. وشكراً على مج طارق المغسول، خادمي الأمين.” صرخت رانيا وحاولت الهجـ,ـوم على سارة لتدفعها وتهرب، لكن سارة بكل ما تراكم فيها من قـ,ـهر سنتين، ضـ,ـربت رانيا بالتمثال النحاسي على يدها بقوة، فسقطت رانيا على الأرض تصرخ من الألم وهي تمسك معصمها. رفعت سارة التليفون الملقى على الأرض وقربته من فمها، وقالت بصوت هادئ ومخيف: “سمعاني يا طارق؟ أنا عارفة إنك واقف بالعربية في الشارع اللي ورا العمارة.. البوليس زمانه في السكة، والتسجيل اللي فيه اعترافكم بالسـ,ـرقة وتزويـ,ـر الوفـ,ـاة اتبعت حالا لخالتي في النيابة العامة.. استعد بقى للمـ,ـوت الحقيقي.. بس المرة دي جوة السجن.”

ركضت سارة نحو الباب الرئيسي، فتحته على وسعه، وصرخت بأعلى صوتها في الممر: “الحقوني يا طنط ميرفت! فيه حرامية جوة الشقة! الحقوني!” في ثوانٍ، انفتحت أبواب العمارة، وخرج البواب وسكان الدور، وتم الإمساك برانيا قبل أن تتحرك من مكانها. وبفضل البلاغ السريع وتحديد موقع المكالمة، ألقيت الشرطة القبض على “طارق” في السيارة المنتظرة خلف العمارة قبل أن يستطيع الفِرار! في ذلك المساء، جلست سارة في الصالون، وحولها ضباط الشرطة وطتط ميرفت التي كانت تبكي وتعتذر لها.

أخذت سارة المج الأزرق المفضّل لطارق.. المج الذي كان السبب في شكها وفي كشف المستور.. ونظرت إليه مطولاً، ثم ألقته في سلة المهملات بكل قوة ليتحطم إلى مائة قطعة. تنهدت سارة لأول مرة منذ سنتين تنهيدة راحة، وأغلقت الباب.. لكن هذه المرة، أغلقت معه ماضياً مزيفاً، لتسترد حياتها من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى