كان الصراع في داخلي يحرق الأخضر واليابس، لكنني عدت إلى الله. بلعت غصتي، وضغطت على يدي حتى ابيضت أناملي، ونظرت إليها بكل ما أوتيت من يقين ورضا وقلت بكل هدوء: “ألف مبروك يا هدى.. ربنا يتم حملك على خير، ويجعلهم ذرية صالحة يارب.” انصرفا.. وتركا خلفهما أطلال فرحتي بنجاح بناتي في ذلك اليوم. أغلقت الباب، وانزويت في عتمة الغرفة، أجهش بالبكاء طوال الليل. لم أكن أعترض على قدر الله، بل كنت أدعوه بقلب مكلوم: “يارب اربط على قلبي، ألهمني الصبر والرضا، ولا تجعل في قلبي غلاً للذين آمنوا.”
الجزء الثاني: طارق الفجر والمفاجأة مرت أشهر الحمل على هدى كأنها جمر يتفحم. كانت مشاكلها الصحية تتفاقم، وحمل التوأم يستنزف جسدها النحيل. كنت أتابع أخبارها من بعيد، أدعو لها بالسلامة رغم كل شيء. وفي فجر يومٍ مطير، استيقظت على ضـ,ـربات جارفة على باب الشقة! طرْقٌ متواصل ومفزوع يكاد يقتلع الباب من مفصلاته. قفزت من فراشي، وقلبي يدق في حنجرتي: “سترَك يا رب.. يا رب سلّم!” نظرت من العين السحرية، فوجدته حسام. فتحت الباب بسرعة، لأجده يقف شاحب الوجه، أنفاسه متقطعة، يحمل بين يديه لفافتين صغيرتين. دفع بهما إليّ وهو يلهث:
“هدى ولدت يا ريم! بس تعبانة أوي.. دخلوها العناية المركزة. ادعيلها يا ريم.. الولدين في أمانتك، هي معندهاش حد، ملهمش غيرك!” قبل أن أستوعب المشهد، كان قد استدار ونزل السلالم يركض، تاركاً إياي في ذهول الفجر، أحمل بين ذراعي طفلين لا يتجاوز حجمهما كف اليد. وقفت في منتصف الصالة والدموع تتسلل من عيني لتسقط على وجوههما الصغيرة. لم أستطع تمييز ملامحهما من كثافة بصرى المضبب بالدموع. تساءلت بيني وبين نفسي: “هل ذنبي أنني لم أنجب ولداً؟” كنت راضية بقسمتي، لكن الجرح القديم نكأه الموقف.
ولكن.. فجأة، وبدون مقدمات، شعرت بدفء غريب يسري في أطرافي. احتضنت اللفافتين إلى صدري بقوة، ووجدت لساني ينطلق بدعاء خالي من أي ضغينة: “يارب اشفِ هدى، يارب نجّها عشان خاطر أولادها الصغار دول.” الجزء الثالث: الاختيار الصعب مرّ شهرٌ كامل كانت الحياة فيه تدور في فلك هذين الطفلين. تحول بيتي إلى خلية نحل؛ بناتي الصغيرات والكبيرات أظهرن حناناً لا يوصف، كنّ يساعدنني ويذاكرن دروسهن بجد لكي يمر هذا الوقت العصيب.
وأخيراً، خرجت هدى من المستشفى بعد رحلة علاج شاقة. اتصل بي حسام وقال بصوت محرج: “تعالي يا ريم، هاتي التوأم والبنات ونعمل سبوع للولدين ونفرح كلنا.” ضغطت على جراحي من جديد، وجهزت كل شيء بنفسي، تناسيت أنني في بيت ضرتي، وصنعت أجواء الفرح من أجل الصغيرين. وعندما انتهى الحفل واستعددت للرحيل مع بناتي، اقتربت مني هدى، كانت ملامحها مرهقة للغاية. مسكت يدي وقالت بكسرة: “جميلك دا مش هنساه طول عمري يا ريم.. بس أنا ليا طلب عندك. أنا تعبانة أوي والدكتور قال قدامي شهور عشان أقف على رجلي. أنا مش هقدر أربي ولدين توأم.. ساعديني، خدي ولد وأنا ولد!”
تسمرت في مكاني، ونظرت إلى حسام الذي اقترب وقال برجاء لم أعهده فيه من قبل: “أنا عارف إني ضايقتك وقصرت معاكي يا ريم.. بس أنا مش هأمن حد على عيالي غيرك. الطفل دا ملهوش ذنب، خدي ولد خليه معاكي.” عدت إلى شقتي في تلك الليلة وأنا أحمل بين ذراعي الطفل الذي سموه “عمر”، بينما بقي “عمار” مع أمه. كنت أنظر إلى ملامح عمر النائمة وأنا أردد: “الحمد لله الذي جبر خاطري.” لكن خوفاً كبيراً كان ينهش قلبي.. ماذا لو استردوه مني بعد أن يتعلق قلبي به؟
الجزء الرابع: الشتات والتربية مرت ثلاث سنوات، وكبر عمر ليملأ البيت شقاوة وضياء. وفي يوم أسود، جاء حسام ببرود ليقول: “أنا عايز آخد عمر عشان يلعب مع أخوه عمار، ويتعود على أمه وبيته الأصلي.” شعرت وكأن روحي تُسحب مني. احتسبت تعبي وسهر ثلاث سنوات عند الله، وسلمته إياه ودموعي تحـ,ـرق وجنتي. لكن القدر كان له رأي آخر! في نفس اليوم، وفي تمام الساعة الثالثة فجراً، سمعت خبطاً متواتراً على الباب. فتحت لأجد حسام يحمل عمر، وعينا الطفل الصغير جمرتان متقدتان من كثرة البكاء. قفز عمر من يد أبيه وارتمى في أحضاني، يشهق ويصرخ: “ماما.. ماما!”
قال حسام بعجز: “معرفناش نسكته ولا نتعامل معاه، الولد مش راضي عنك بديل.” حاولوا مراراً وتكراراً أخذه بعدها، لكن كل محاولاتهم باءت بالفضل. عمر أصبح قطعة مني، وناداني بـ “ماما”، وارتبط بأخواته البنات اللاتي أصبحن له الأمهات والراعدات. شبّ التوأمان ودخلا المدرسة. كانا في نفس الفصل، لكن شتان بين مسار ومسار! في بيتي، كان القرآن ينطلق من المذياع فجراً، وأجواء العلم والالتزام تخيّم على المكان. حفظتُ عمر القرآن منذ سن الثالثة، وكانت أخواته يتنافسن في إكرامه وشراء الهدايا له كلما تفوق.
أما في البيت الآخر.. فقد انشغل حسام بجني المال وتكثير تجارته، وانشغلت هدى بنفسها وبمشاكلها مع حسام. نشأ “عمار” في بيئة جافة، بلا توجيه ولا رقابة. مرت السنوات كالبرق: بناتي: أكرمني الله فيهن بفضله؛ ثلاث منهن دخلن الطب البشري، واثنتان الطب البيطري، واثنتان الصيدلة! عمر: ولأنه يعلم أن أمنية حياتي أن يكون لدي ابن مهندس، حارب ودرس بشغف حتى دخل كليّة الهندسة، وتخرج منها بتفوق ليصبح معيداً فيها، وختم القرآن الكريم كاملاً وهو في سن الخامسة عشرة.
عمار: ترك التعليم مبكراً، ونزل للعمل مع أبيه في ورشة الميكانيكا، ومشى في طريق رفقاء السوء.. طريق لا صلاة فيه ولا دين. الجزء الخامس: عالمين مختلفين تدهورت صحة هدى من جديد، وطلبت من عمر أن يأتي للمبيت عندهم لعل وعسى تقترب منه. ذهب عمر برّاً بوالديه البيولوجيين، لكنه لم يستطع البقاء أكثر من يومين! عاد إليّ وركض نحو أحضاني كأنه كان في أسْر، وقال بصوت يرتجف:
“بالله عليكِ يا ماما.. ما تخليني أبات هناك تاني! أنا بحس إني في عالم تاني خالص.. بيتهم مفيش فيه صلاة، مفيش قرآن شغال يبعث الطمأنينة. البيت كله مشاكل وصراخ، بابا وعمار، وبابا وماما.. هما تلاتة بس وتحسي البيت هيتفجر! وإحنا هنا ما شاء الله تسعة وبيتنا مليان ضحك ورضا وهدوء. يا ماما.. صحيت الفجر أصلي، لقيت عمار صاحي ورفض ييجي معايا، وبابا زعقلي وقالي أوعى تصحيني تاني! أنا عارف إنهم أهلي وهبرهم.. بس أنا غريب وسطهم يا ماما، إنتي أمي وبيتك هو بيتي.”
الجزء السادس: الحقيقة العـ,ـارية والإنهيـ,ـار وفي يومٍ لا أنساه، سمعت جرس الباب يرق بشكل هستيري. فتحت لأجد هدى تقف على العتبة، وجهها شاحب، ودموعها تسيل بغزارة. على وجهها آثار قلم لطمها على خدها، وعلى كتفها كدمة زرقاء داكنة. أدخلتها الغرفة ويدي ترتجف، فجلست تبكي بحرقة وقالت: “عارفة مين اللي عمل فيا كدا يا ريم؟.. عمار! ابني بقا مدمـ,ـن مخـ,ـدرات يا ريم! لقيت في هدومه سمـ,ـوم، ولما هددته إني هقول لأبوه، ضـ,ـربني بالقلم وزقني على الأرض وخدها ومشي.. وقالي جملة قطعت قلبي: (يا ريت خالتي ريم كانت خدتني أنا مش عمر)!”
وانفجرت هدى في بكاء مرير واستطردت: “سامحيني يا ريم.. سامحيني، أنا خدت منك حسام وقسّيت قلبه عليكِ وعن بناتك. أنا بعترف بغلطي وبطلب منك المسامحة.. أنا مبقتش قادرة أعيش، حسام بقى يشيّب ويعرف ستات قد بناته، ولما أواجهه يضـ,ـربني ويهددني بالطلاق، وعمار طالع نسخة منه.. سامحيني بالله عليكِ!” خرجت هدى وتركتني في صدمة ذهول. حسام الذي شارف على الستين لم يتب، وعمار أصبح ضحية الطمع والجفاء. الجزء السابع: الخاتمة الصادمة
استمر عمر في زيارتهم بانتظام محاولاً الإصلاح والمساعدة، لكن طوفان الخراب كان أسرع. وفي يوم شتوي أسود، وردنا اتصال هاتفى من جيران هدى، أصواتهم تصرخ: “الحقوا بيت حسام!” ركضت أنا وعمر إلى هناك، ففوجئنا بالشارع مغلقاً بسيارات الشرطة والإسعاف. الشوارع ممتلئة بالناس، والذهول يعلو الوجوه. حاولنا الدخول فمنعتنا الشرطة، وفجأة.. فُتح الباب، وخرجت جـ,ـثتان مغطتان بالكامل! وخلفهما كان عمار مقتاداً بالكلبشات، غائباً عن الوعي، تقطر من يديه وملا بسه الدماء!
تقدم الضابط نحو عمر وسأله عن هويته، ثم قال بأسى: “الولد كان تحت تأثير مخـ,ـدر قوي.. اتخانق مع أبوه وضـ,ـربه بالسـ,ـكينة فقـ,ـتله، ولما أمه شافت المنظر جتلها سكتة قلبية وماتت في الحال.” تجمّدت الدموع في عيون عمر. ساد صمت رهيب كصمت المقابر. التفت إليّ عمر، وبصوت يملؤه الذهول والحزن والنحيب الخفي، قال: “الحمد لله إنك أمي يا ريم.. والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به.” وقفتُ أنظر إلى جـ,ـثمان حسام الذي تركني يوماً، ودمر حياته من أجل أن ينجب “ولداً”.. فكان هذا الولد هو نهايته وسلب حياته.
حينها تذكرت تلك اللحظة القديمة.. يوم حزنت وتألمت في صدري و حسبت أن الدنيا أغلقت أبوابها. وعرفت أن الله كان يدخر لي الفضل والأمان، وأن الحكم لله أولاً وآخراً.. “فاحذر مما تتمنى.. فلعل ما تتمنّاه فيه هلاكك، ولعل ما تحرم منه هو كل نجاتك!”