ابتسمتُ. كانت هذه أول مرة تترسم فيها ابتسامة حقيقية على وجهي منذ خمسة أشهر. الضحكة الغبية لنيرمين، والنظارة الشمسية التي ترتديها ليلاً داخل صالة المطار كأنها نجمة سينمائية تهرب بجائزة الأوسكار، كانت المشهد المثالي لنهاية الفصل الأول من روايتهم الهابطة. وضعتُ الهاتف على الرخام البارد، وأخذتُ نفساً عميقاً ملأ رئتي بنقاءٍ لم أختبره منذ سنوات. حسام، الذي عاش يظنني الست “الخايبة” التي لا تفهم في الأرقام ولا تفقه لغة العقود، نسي شيئاً واحداً صغيراً جداً: هذه الشركة، وهذا البيت، وتلك الحسابات، لم تأتِ من فراغ. أنا ابنة سوق، وأبي—رحمه الله—علمني أن الذي لا يحمي ظهره، لا يستحق أن يملك أرضاً.
الفصل الثاني: ليلة سقوط الأقنعة الساعة تقترب من الثالثة صباحاً. فتحتُ لابتوبي الخاص، الذي كان مخبأً بعناية في تجويف سري خلف مرآة الدريسنج روم—نفس الغرفة التي كان يسرقني فيها قبل قليل. لم أكن بحاجة لانتظار الصباح، فالطبخة نضجت تماماً، وحان وقت التقديم. قبل خمسة أشهر، عندما رأيتُ رسايل نيرمين لأول مرة، لم أواجهه. المواجهة تمنح الخائن فرصة للاعتذار، أو الهروب، أو تصفية الحسابات. بدلاً من ذلك، ذهبتُ في اليوم التالي مباشرة إلى مكتب مستشاري القانوني والصديق المقرب لوالدي، الأستاذ رأفت.
أذكر كلماته جيداً وهو ينظر إلى الأوراق التي جمعتُها بصمت: “يا مريم، حسام بيوقع على عقود بيع ونقل ملكية لشركات وهمية باسم نيرمين، وفاكر إن توكيلك العام ليه بيديله الحق ده. بس هو غبي.. التوكيل ده أنا اللي صياغه من اتناشر سنة، وفيه بند صغنن زي سم الإبرة، يمنعه من البيع لنفسه أو لأي حد من أقاربه حتى الدرجة الرابعة، أو تأسيس شركات منافسة من أموال الشراكة”.
طوال الخمسة أشهر الماضية، كنتُ أوقّع له على كل ورقة يطلبها بابتسامة بلهاء، مع “حاضر يا حبيبي” و”من عينيا يا حسام”. لكن ما لم يكن يعلمه، هو أن كل حساب بنكي قام بتحويل الأموال إليه، وكل شركة وهمية أسسها ليُهرب إليها أرباح مصنعي، كانت تحت المراقبة اللصيقة من مباحث الأموال العامة بطلب رسمي منا، بعد إثبات واقعة “التزوير والاختلاس وخيانة الأمانة”. الفصل الثالث: فخ في صالة المغادرة رقم 3 في المطار، كانت الطائرة المتجهة إلى مدريد تستعد للإقلاع في تمام الساعة الرابعة فجراً.
حسام ونيرمين كانا يقفان في طابور الجوازات، يتبادلان الهمسات السعيدة. الشنطة الكبيرة التي تحوي “رزم الفلوس” والساعات وعقود بيتي، كانت قد مرت بالفعل من التفتيش الأولي، وحسام يشعر بأنه ملك العالم. لقد نجح في تدمير مريم، وأخذ كل شيء. تقدم حسام نحو ضابط الجوازات، وقدم جواز سفره وجواز نيرمين بابتسامة ثقة. أخذ الضابط الجوازات، مررها على الجهاز، وفجأة… ساد الصمت. أعاد الضابط النظر في الشاشة، ثم نظر إلى وجه حسام بتمعن. ضغط على زر صغير تحت مكتبه. في أقل من دقيقة، ظهر اثنان من رجال الشرطة بلباس مدني، واقتربا من حسام ونيرمين بهدوء قاتل.
الضابط: “الأستاذ حسام فريد الشافعي؟” حسام (بإرتباك حاول إخفاءه): “أيوا أنا أفندم.. في مشكلة في الفيزا؟” الضابط: “حضرتك صادر ضدك قرار منع من السفر وترقب وصول، بناءً على بلاغ رسمي من النيابة العامة بتهمة الاختلاس، وتزوير أوراق رسمية، وسرقة أوراق تجارية. اتفضل معانا بهدوء.” الدم هرب من وجه حسام في ثانية واحدة. التفت إلى نيرمين التي بدأت تصرخ وتهدد بنبرة متوترة: “أنتوا بتعملوا إيه؟ إحنا مسافرين سياحة! أنا هكلم المحامي بتاعي!”.
اقترب منها الضابط الآخر وقال برود: “والأنسة نيرمين علام.. شريكة في نفس القضية، ومطلوب القبــ,,ـــــض عليها بتهمة التواطؤ وتلقي أموال مهربة وتأسيس شركات وهمية لغسيل الأموال. الشنط بتاعتكم بتنزل حالاً من الطيارة. اتفضلوا.” الفصل الرابع: الرسالة الأخيرة الساعة الرابعة والنصف صباحاً. كنتُ أجلس في شرفتي، أشرب كوباً من القهوة السادة الحقيقية هذه المرة. الجو كان بارداً، لكن قلبي كان دافئاً بنــ,,ـــــار العدالة. نظرتُ إلى شاشة هاتفي. كتبتُ رسالة واحدة، وأرسلتُها إلى رقم حسام، مع علمي أن الهاتف الآن حتماً في حوزة ضابط المباحث في نقطة شرطة المطار، أو أنه يرن في جيبه وهو مكلبش اليدين.
كتبتُ له: “مسكــ,,ـــــين يا حسام.. عمرك ما فهمت حاجة، وعمرك ما هتفهم. الفلوس اللي في الشنطة؟ دي كلها دولارات مجمدة ومزورة أنا اللي حطيتها لك مكان الفلوس الحقيقية اللي نزلت في حسابي القديم من أسبوع. الساعات؟ كلها تقليد درجة أولى اشتريتها من العتبة عشان تليق بمقامك. والعقود؟ دي صور ضوئية مالهاش أي قيمة قانونية لأن الأصل في خزنة المحامي بتاعي من شهرين. طيارة مدريد فاتتكم يا حبيبي.. بس متقلقش، البوكس اللي هياخدكم دلوقتي فيه تدفئة كويسة. مع السلامة يا.. يا شاطر.”
النهاية: شروق جديد أغلقتُ الهاتف تماماً. وضعتُه في حقيبتي. نظرتُ إلى السماء التي بدأت خيوط الفجر الزرقاء تشق عتمتها. لأول مرة منذ اثني عشر عاماً، شعرتُ أن هذا البيت بيتي، وأن هذا الاسم اسمي، وأنني لستُ بحاجة إلى “سبع” يحميني، لأنني أنا من كنتُ أحميه من فشله. تركتُ البلكونة، ودخلتُ لأنام.. نوم عميق وحقيقي، دون الحاجة لنقطة واحدة من البابونج.