أبو مريم أخد بنته في حـ,ـضنه، ولمّ كل حاجتها وهدومها وسط نظرات الشـ,ـماتة من سلفتها، ونظرات البرود من حماتها اللي كانت شايفة إن ابنها “راجل ومن حقه”. أحمد وقف مكانه متحركش، كان جواه صراع.. بيحب مريم، بس كلام أمه وضغط البيت والغيرة اللي اتزرعت جواه من أخوه اللي خلف الولد الثاني عموا عينه. مريم خرجت من بيت العيلة وهي حاسة إن روحها بتتسحب منها. السرير اللي اتشاركت فيه معاه الأحلام، المطبخ اللي وقفت فيه تخدمهم وهي بتبكي، كل حاجة سابتها وراها. في بيت أبوها، قفلت على نفسها باب أوضتها القديمة، وعاشت أول أسبوعين عبارة عن دموع مبتنقطعش.
لكن أبو مريم مكانش راجل عادي. دخل عليها في يوم، ومعاه كوباية شاي، وقعد جنبها وطبطب عليها وقالها: “يا مريم، الدموع مش هترجع اللي فات، ولا هتعمّر بيت اتهد بأنانية. ربنا لما بيقفل باب، بيبقى عشان يفتح باب أحسن منه بكتير. قومي، واقفي على رجليكي، واثبتي لنفسك وللدينا كلها إن قيمتك مش في كونك ‘وعاء للخلِفة’ بس، قيمتك في ذاتك.”
كلمات أبوها كانت زي القلم اللي صحاها. مريم قررت متبصش وراها. كانت خريجة كلية علوم، وبقالها سنين قاعدة في البيت بناءً على رغبة أحمد. قررت تدور على شغل. وفعلاً، بعد محاولات، لقت فرصة في معمل تحاليل طبيّة كبير. رمت كل طاقتها وغـ,ـضبها ووجعها في الشغل. كانت بتنزل من النجمة وترجع بالليل، تدرس وتتعلم وتطور من نفسها، لحد ما بقت مديرة الفرع في أقل من سنة. شكلها اتغير، ثقتها بنفسها رجعت، وضحكتها اللي غابت بقالها سنين رجعت تنور وشها من تاني.
في المقابل.. في بيت العيلة، أحمد مكانش عايش في الجنة اللي تخيلها. أمه خطبتله بنت حلال من معارفهم، اسمها “شيماء”. اتجوزها ودخلت البيت. ومن أول شهر، شيماء مكانتش زي مريم خالص. مريم كانت هادية، بتستحمل، وبتخدم الكل بكلمة طيبة. شيماء كانت شخصيتها قوية، من أول يوم رفضت تطبخ للحماة، وقالت: “أنا متجوزة أحمد مش متجوزة العيلة.” وسلفتها اللي كانت فاكرة إنها هتلاقي حد تتنطط عليه، لقت اللي بيوقفها عند حدها ويردلها الكلمة بعشرة. البيت اللي كان هادي، اتقلب لساحة خناق يومية.
أحمد بقى يرجع من الشغل يلاقي مراته الجديدة بتتخانق مع أمه، وأمه بتعيط وتقوله “مرأتك بتهني”، وشيماء تصرخ وتقول “ابنك مش ملاحق على مصاريفي”. افتكر مريم.. افتكر حنيتها، افتكر لما كان يرجع متضايق فتاخده في حضنها وتهون عليه. بدأ الندم ينهش في قلبه، بس كان بيكابر ويقول لنفسه: “المهم الخلف بالدنيا.” مرت سنة.. وسنتين.. وشيماء مخلفتش! أحمد بدأ يقلق، والبيت كله بدأ يهمس تاني. أمه بدأت تلمح لشيماء، بس شيماء مكانتش مريم اللي تسكت وتحبس دموعها. شيماء أخدت أحمد من إيده وراحت لأكبر دكتور نسا وعقم.
بعد التحاليل والفحوصات، الدكتور قعد ورا مكتبه، وبص لأحمد وشيماء، وقال بأمر واقع: “يا أستاذ أحمد.. المدام سليمة ١٠٠٪ ومعندهاش أي مشكلة. المشكلة عندك أنت.. نسبة الخصوبة عندك ضعيفة جداً، ومستحيل يحصل حمل طبيعي، والموضوع ده عندك من زمان مش حاجة جديدة.” الكلمة نزلت على أحمد زي الصاعقة. الدنيا لفت بيه. “أنا؟ العيب مني أنا؟!”
افتكر مريم.. افتكر الـ ٣ سنين اللي عاشتهم معاه وهي بتستحمل نظرات الناس وتجـ,ـريح أمه وسلفتها، وهي ساكتة وراضية، وهو اللي في الآخر رماها وكسر قلبها وعايرها باللي كان فيه!
رجع البيت مكسور، الدموع في عينه. أمه أول ما شافته جرت عليه: “خير يا ابني؟ الدكتور قالكم إيه؟ العيب منها صح؟ طلقها ونخطبلك غيرها!”
أحمد صرخ بعلو صوته وسط الصالة: “العيب مني أنا يا أمي! أنا اللي مخلِفش! مريم كانت سليمة، مريم انظلمت ودعينا عليها وكسـ,ـرنا بخاطرها وهي ملهاش ذنب! ربنا بيعاقبني.. ربنا بيخلص حقها مني!” الحماة حطت إيدها على بقها وصوتت، والسلفتها اللي كانت واقفة تتصنت حست بالصدمة والكسوف، والبيت كله سكت.. جـ,ـحيم السخرية اللي زرعوه لمريم، حصدوه في نفسهم. شيماء مكملتش مع أحمد، طلبت الطلاق وخدت كل حقوقها تالت ومتلت وسابته.
بعد سنتين كمان، مريم كانت في مؤتمر طبي كبير، كانت واقفة على المسرح بتتكرم كواحدة من أفضل مديري المختبرات الطبية الشابة. كانت منورة، لابسة فستان أنيق، والابتسامة مش مفارقة وشها. وأبوها قاعد في أول صف، دموع الفرحة في عينه وهو شايف بنته اللي كانت مكسورة بتطير في السما. في نفس اليوم بالليل، مريم كانت خارجة من مقر المؤتمر، والدنيا بتمطر خفيف. وهي ماشية رايحة لعربيتها، لقت حد بينادي عليها بصوت مخنوق: “مريم..”
التفتت.. لقت أحمد. مكانش أحمد بتاع زمان.. كان باين عليه الهم، وشه دبلان، وعينه مكسـ,ـورة. وقف قدامها ومش قادر يبص في عينها.
أحمد: “أنا عارف إني ماليش عين أقف قدامك.. بس أنا جيت عشان حاجة واحدة بس. جيت أطلب منك تسامحيني. أنا عرفت الحقيقة.. عرفت إن العيب كان مني أنا طول السنين دي، وإن ربنا عاقبني وخسرني كل حاجة عشان كسر طيرك. أنا اطلقت، والبيت اتهد، وعايش في ندم بياكل في قلبي كل يوم. سامحيني يا مريم.. عشان أقدر أعيش.”
مريم بصتله وهدوء غريب نزل على قلبها. ملقيتش جواها أي غل أو رغبة في الانتـ,ـقام، بالعكس، حست بالشفقة عليه. سابت أحمد واقف في المطر، بيبكي على الكنز اللي ضيعه من إيده بأنانية، وركبت عربيتها وسوقت وهي بتبص لقدام، للمستقبل، وهي عارفة إن اللي بيسلم أمره لله ويصبر، ربنا دايماً بيبهرّه بجبره.