لم تكن كلمة “طـ,ـلقني” مجرد طلب، بل كانت حسامًا قاطعًا جرد زين من كل دروعه وكبرياء عائلته الذي طالما يحتمي به. جلس زين على ركبتيه لدقائق، يديه ترتجفان وهي تلامس طرف الغطاء، يعجز عن رفع عينيه للظر في عيني زهرة. تلك العينان اللتان طالما حملهما الصفاء والنقاء، أصبحت الآن كالبحر الميت، لا موج فيهما ولا حياة.
ساد الصمت في الغرفة إلا من صوت جهاز المحلول الذي يقطر ببطء، وكأن كل قطرة تسقط تطعـ,ـن قلب زين طـ,ـعنة جديدة. حاول أن يتكلم، أن يخرج صوتًا يدافع به عن نفسه، لكن أي اعتذار في الدنيا كان يبدو تافهًا وصغيرًا جدًا أمام البشاعة التي ارتكبها بحقها. أخيرًا، وقف زين ببطء شديد، ورجلاه تكادان لا تحملانه. نظر إليها وصوته مكسور، لا يمت بصلة لصوته القوي الذي كان يزلزل المنزل قبل ساعات:
— “مش هسيبك يا زهرة.. ومش هطـ,ـلقك، مش عناد ولا جبروت.. بس عشان أصلح المصيبة اللي عملتها. حقك عليا، وحقك عليّ هتاخديه مني ومن أي حد طـ,ـعنك في شـ,ـرفك، حتى لو كانت أمي نفسها!” لم تتحرك زهرة، ولم تلتفت إليه حتى، بل ظلت شاخصة ببصرها نحو النافذة، وكأنها لم تسمع حرفًا مما قاله. هذا التجاهل التام كان أشد على زين من أن تصرخ في وجهه أو تضـ,ـربه. خرج زين من الغرفة وهو يغلي، تتحول أسراب الندم في صدره إلى بركان غضب أسود يتجه نحو شخص واحد: والدته (الحاجة هدى).
ساق زين سيارته في منتصف الليل بسرعة جنونية، وأفكاره تتزاحم في رأسه. كيف قدرت أمه تسلل هذا الشك لقلبه؟ كيف استغلت حبه لعمّه المتوفى وضغطت على نقاط ضعفه لتصنع هذه الفضـ,ـيحة الوهمية؟ وهل كان المال ونفوذ العائلة يعمي القلوب لهذه الدرجة؟ وصل القصر الكبير في الصعيد، ودخل الباب الرئيسي بهبدة هزت أركان المنزل. كانت والدته تجلس في الساحة الداخلية تشرب الشاي ببرود، تنتظر عودته بفارغ الصبر لتعرف هل ينتهي الأمر بالطـ,ـلاق أم بالفـ,ـضيحة.
وقف زين أمامها، عيونه حمراء كالجمر، ونفسه متلاحق. قامت الحاجة هدى وهي تبتسم ابتسامة خبيثة ومصنعة: — “خير يا زين يا بني؟ رجعت لوحدك ليه؟ طردت البت الفاجرة دي ولا رميت عليها اليمين في الشارع؟” زين قرب منها ببطء، وصوته يخرج كالهسيس المخيف: — “البت الفاجرة دي… طلعت بنت بنوت يا أمي. شـ,ـريفة، وطاهرة، ومفيش راجل لمسها غيري.” تجمّدت الابتسامة على وجه الحاجة هدى، وتراجع اللون من وجنتيها، لكنها سرعان ما حاولت التماسك والتصنع:
— “أكيد كدبت عليك! أكيد اشتريت الدكتورة بفلوسك ولا اتفقت معاها! البت دي حية وتعرف…” — “سكتتتتتتتتتي!” صرخ زين صرخة هزت أرجاء القصر، وصوت ارتطام يده بالعادة الخشبية جعل الخدم يهربون للداخل خوفًا. — “الدكتورة مش تبعها ولا تعرفها! أنا اللي اخترت المستشفى بنفسي، وأنا اللي دخلتها للدكتورة بإيدي! أمي… أنتِ ليه عملتي كده؟ ليه بلّتيني في شرف بنت عمي؟ ليه استغليتي مرض عمي وفشله المالي عشان تدوسي على كرامتهم؟ عشان الفلوس؟ عشان السرايا والأرض تفضل تحت إيدك؟”
بدأت الحاجة هدى ترتبك، لكن كبرياءها حال دون الاعتراف: — “أنا عملت كده عشان مصلحتك! عشان أكسر عينها وعين أهلها وما ترفعش راسها عليك! عشان تعرف إنها أخدتك بجميل مش بحق!” زين هز رأسه بذهول وكسرة: — “أنتِ مش بس كسرتي عينها… أنتِ كسرتي ابنك. أنتِ خليتيني وحش، خليتيني أعيش نذل وأمـ,ـوت نذل. من النهاردة يا أمي… الأرض اللي كنتِ خايفة تروح لعمي، أنا هكتب نصها باسم زهرة بكرة الصبح. والقصر ده… زهرة هي سيدته، وأنتِ لو مش عاجبك، بيتك القديم في البلد مستنيكي!”
صُدمت الحاجة هدى ولم تصدق ما تسمعه من ابنها الوحيد الذي كان يطيعها في كل شيء: — “أنت بتبدّل أمك عشان بت كدابة؟” — “أنا ببدّل الباطل بالحق يا أمي.” تركها زين تصرخ وتندب حظها، وتوجه فورًا إلى الحكيم وأكبر رجال البلدة، وقام بتسجيل نصف أملاكه باسم زهرة، واشترى لها منزلًا خاصًا ومستقلاً في القاهرة بعيدًا عن جحيم السرايا، ووضع حسابًا بنكيًا ضخمًا باسم والدها المشلول ليتعالج في أكبر مستشفيات العالم.
في الصباح التالي، عاد زين إلى المستشفى ومعه أوراق الملكية وأوراق علاج والدها، ودخل على زهرة التي كانت تستعد للمغادرة برفقة إحدى الممرضات. وضع الأوراق بين يديها وقال بنبرة صادقة: — “دي مش رشوة عشان تسامحيني، ولا ثمن لكرامتك اللي أتهانت… دي حقوقك وحقوق أباكي اللي أمي سـ,ـرقتها منكم. أباكي هيفافر ألمانيًا بكرة الصبح عشان يتعالج، ونصف أملاكي بقت باسمك. وأنا… أنا خدامك تحت رجليكي لحد ما تقرري.” نظرت زهرة للأوراق، ثم رفعت عينها المجهدتين ونظرت في عينيه بثبات غريب:
— “الفلوس والأرض يرجعوا لأبويا لأنها حقه… لكن أنا يا زين، فلوس الدنيا كلها ما ترجعش دقيقة واحدة وقفت فيها قدام الدكتورة وأنا بتفتش في شرفي بسببك.” مزقت زهرة الأوراق التي تخصها هي، وتركها فقط أوراق علاج والدها، وقالت: — “أنا هسافر مع أبويا ألمانيا أقف جنبه… ولو رجعت وهو متمني إني أسامحك، يمكن أفكر. لكن طول ما أنا شايفة نظرة العجز في عين أبويا بسبب اللعبة دي… مش هقدر أقبل أشوف وشك.”
أمسكت حقيبتها الصغيرة ومشت ببطء باتجاه الباب. لم يحاول زين منعها هذه المرة، بل وقف وحرسها بنظراته حتى اختـ,ـفت في السيب، وهو يعلم أن رحلة استعادة قلب زهرة ستكون أطول وأصعب معركة سيخوضها في حياته… لكنه كان مستعدًا للقتـ,ـال حتى آخر نفس.