خرجت من باب بيتهم والباب اترزع ورايا، بس المرة دي الهدوء اللي في الشارع كان مختلف.. مكنش هدوء خوف، كان هدوء حد كان بيغرق وفجأة طلع يشم هوا نظيف. ركبت عربيتي، حطيت ياسين في الكرسي بتاعه ورا، وربطت له الحزام. الواد كان ساكت تماماً، حاطط صباعه في بقه وبيبص لي بعيون متوسعة. مسكت إيده البصمة الصيرة دي وبستها وهي ترتعش، وبكيت.. بكيت بكاء هيستيري، بكاء الست اللي اكتشفت إن السقف اللي كانت فاكراه حاميها، كان هيقع يفعصها هي وابنها.
في ظرف 24 ساعة، المحامين اتدخلوا. التزوير في أوراق رسمية والتشهير مكانتش قضايا سهلة، وفوزية هانم ووائل اكتشفوا إن النفوذ والفلوس مابيتطلعش من مصيدة النيابة العامة لما التقرير يكون صادرة فيه تعليمات مباشرة من الجهات القضائية. وائل حاول يكلمني 50 مرة في اليوم. رسائل، تسجيلات بصوت مخنوق بالدموع، رجاءات من قرايبه اللي كانوا ساكتين في الصالون وبقوا فجأة “حمائم سلام”. “نورا.. أمي كانت فاكرة إن دي الطرق الوحيدة عشان نخرج من الأزمة!”
“نورا عشان خاطر ياسين ما تهداميش البيت!” رديت عليه بإنذار رسمي على يد محضر: دعوى خلع، ودعوى تعويض عن الأضرار النفسية والتشهير، وحظر تقديم على رؤية إلا بشروط مشددة. الواقع بعد العاصفة النهاية مكنتش خيالية زي الأفلام؛ مفيش فارس على حصان أبيض ظهر وأنقذني، ومبقيتش مليارديرة في يوم وليلة. الواقع كان قاسي وبارد:
أنا نزلت أدور على شغل بعد انقطاع 5 سنين عن المجال التجاري. رجعت أشتغل من البيت في التسويق الإلكتروني، ليالي طويلة سهرانة قدام الشاشة، وعيني رايحة جاية على ياسين وهو نايم في الأوضة التانية. أوقات كتير كنت بقدر أقوم وأكمل، وأوقات تانية كنت بقعد على الأرض في المطبخ وأعيط من التعب ومن الخوف من بكرة. وائل؟
القضية اتسوت بدفع تعويض مالي كبير لحمايتي وحماية ياسين من التشهير، ومقابل إن البلاغ الجنائي يتحفظ بالنسبة لفوزية هانم بسبب سنها، بشرط طلاق رسمي وفوري وتنازل كامل عن أي مطالبات بعقد الشقة أو الحضانه. وائل اضطر يبيع عربيته وحصته في المحل عشان يغطي ديونه ومصاريف القضايا. فوزية هانم المريضة بالسيطرة جالت لها ذبحة صدـ,,ـــرية خفيفة من الصدمة، وبقت محبوسة في بيتها، العيلة كلها بقت بتتجنبها زي الوباء بعد الفضيحة اللي حصلت في الصالون.
بعد مرور سنتين اليوم، الشمس طالعة برضه، بس في شقة أصغر بكثير في المعادي.. شقة بلكونتها بتطل على شجر هادي، وريحة القهوة الصبح مالية المكان. ياسين كبر، بقى عنده 5 سنين، داخل كي جي 2. لسه بيلبس القميص الأخضر اللي كبر عليه شوية، ولسه بيمــ,,ـــــوت في الزبادي. الموبايل اتهز على الرخامة.
بصيت عليه.. كان إشعار من البنك بتحويل نفقة ياسين الشهرية اللي المحكمة فرضتها على وائل بسعر اليوم. وائل بيشوف ياسين مرة كل أسبوعين في نادي محايد، تحت إشراف، ومن غير ما يدخل بيتي أو يشوف وشي. الرؤية بالنسبة له بقت عذاب، لأنه بيشوف في عيون ابنه الغربة.. ياسين بيعامله كأنه عمو اللي بيجيب العاب، مش الأب اللي كان المفروض يكون السند. وقفت حافية في مطبخي الجديد، بصيت لنفسي في المراية اللي على الحيطة.. ملامحي اتغيرت، فيه خطوط تعب خفيفة تحت عيني، بس عيني فيها قوة عمري ما عرفتها وأنا في بيت التجمع.
ياسين دخل المطبخ وبيجري، مسك في رجلي وقال: — “مامي.. نعمل كيكة النهاردة؟” وطيت، حطيت إيدي على شعره الناعم، وابتسمت ابتسامة حقيقية مش متصنعة: — “أحلى كيكة يا حبيب مامي.. يلا بينا.” المطبخ مابقاش فيه نَفَس خايف ولا توتر.. بقى فيه نَفَس هادي، نَفَس ست عرفت قيمتها، وعرفت إن الكرامة والأمان مش بييجوا من بيوت غالية ولا لولي وحرير، بييجوا من السلام اللي بتبنيه بإيدك لما ترفض تكون ضحية.