خرجت ليلى من باب الفيلا بخطوات ثابتة وواثقة، ترفع رأسها كملكة لم تهزها الرياح. ركبت سيارتها السوداء الفارهة التي كانت تنتظرها على بُعد خطوات، والسائق يفتح لها الباب بانحناءة احترام شديدة. أغلقت الباب خلفها، وبمجرد أن تحركت السيارة، سمحت لنفسها بتنهيدة عميقة.. لم تكن تنهيدة انكسـ,ـار، بل كانت تنهيدة تحرر. وضعت يدها على بطنها المنتفخ، وهمست لجنينها: “خلاص يا حبيبي.. أخدنا حقنا، ومن اليوم مفيش حد هيقدر يلمسنا بسوء.” في داخل الفيلا: زلزال بقوة 9 ريختر
بمجرد إغلاق الباب، تحولت الصالة الواسعة إلى ساحة من الصراخ والهلع. كريم كان يجلس على الأرض، يجمع شتات عقله ويحاول تشغيل هاتفه المكسـ,ـور. صرخ في وجه أمه وزوجته الثانية سما: — “أنتم السبب! غباءكم ضيعني! ليلى؟ ليلى اللي كنت بضحك عليها تطلع هي صاحبة كل حاجة؟!” سما كانت ترتجف، تبكي بهستيريا وتنظر إلى جردل الماء المتسـ,ـخ الملقى على الأرض: — “أنا مكنتش أعرف يا كريم! أنت اللي قلت لي إنها مجرد واحدة مكسورة ملهاش حد وأنها جاية تشحت منك فلوس!”
أما دولت (الحماة)، فكانت تحاول التقاط أنفاسها وتتصل بأي معارف أو محامين، لكن الإجابة كانت واحدة من الجميع: “الوضع منتهي. الأسماء الكبيرة وراء هذا القرار، والشرطة في طريقها للحجز المالي.” لم تمر سوى عشرين دقيقة حتى جرس الباب رن بعنف. فتح كريم الباب ليتفاجأ بمحضرين من المحكمة، يرافقهم رجال أمن، ومعهم أمر تنفيذ فوري بالطرد والحجر على الفيلا والسيارات. صاح المحضر بصرامة: — “كريم بيه المنصور؟ أمامكم 10 دقائق فقط لأخذ متعلقاتكم الشخصية والملابس. الفيلا الآن تحت التحفظ القضائي لصالح شركة (فينكس) للاستثمار.”
في تلك اللحظة، طُـ,ـردت العائلة التي كانت تظن نفسها فوق الجميع إلى الشارع، بملابسهم التي عليهم وبعض الحقائب الصغيرة، وسط نظرات الجيران والفضوليين. المواجهة القانونية: ذكاء الأفعى وثبات الملكة مرت ثلاثة أيام. لم يستسلم كريم بسهولة، بل حاول بكل الطرق الوصول لليلى أو للمستشار حسام لتقديم اعتذار أو محاولة تسوية، لكن كل الأبواب كانت مغلقة في وجهه. لم يجد أمامه سوى التوجه إلى مكتب المستشار حسام في برج الإدارة الرئيسي.
دخل كريم المكتب وهو يبدو شاحبًا، مجهدًا، بملابس لم يعتد الظهور بها. وجد ليلى تجلس خلف مكتب ضخم، ترتدي طقمًا رسميًا غاية في الأناقة، تبدو وكأنها لم تتعرض لأي إهانة قبل أيام. وقف كريم أمام المكتب وقال بصوت مكسور ومبحوح: — “ليلى.. أرجوكي اسمعيني. أنا غلطت.. الشيطان غواني، وسما هي اللي وزتني. أنا أبو ابنك اللي جاي! متعمليش فيا كده.. أنا ضعت، اسمي في السوق اتمسح، والبنك سحب كل حاجة.”
نظرت إليه ليلى ببرود شديد، لم تظهر في عينيها أي مشاعر عـ,ـداء أو انتـ,ـقام، بل كان برودًا قاـ,ـتلاً. أدارت مقعدها وقالت بنبرة هادئة هزت كيانه: — “كريم.. أنت مكنتش مجرد زوج خانني. أنت كنت شريك في محاولة تدمـ,ـيري نفسيًّا. كنت واقف تتفرج وضرتي بتدلق عليا مية وسخة وأنت بتضحك. في اللحظة دي.. أنت مت في نظري.” أخرجت ليلى ملفًا أحمر من درج المكتب ووضعته أمامه:
— “دي مش بس أوراق الخلع والتنازل التام عن أي حق لك في طفلي القادم.. ده كمان ملف بيثبت اخـ,ـتلاساتك وتزويرك في أوراق شركة المنصور لما كنت فاكر نفسك صاحبها. يعني بلمسة واحدة مني، القضية المدنية دي تتحول لقضية جنائية وسجن مش أقل من 7 سنين.” سقط كريم على ركبتيه، والدموع في عينيه: — “بلاش السجن يا ليلى.. أرجوكي. ارحمي ابني.” ابتسمت ليلى ابتسامة خفيفة وقالت: — “علشان ابني بس.. مش علشانك. هسيبك برة السجن. هتقع على أوراق الخلع والتنازل التام عن الحضانة والولاية، وتخرج من هنا.. ومش عايزة أشوف وشك أو وش عيلتك تاني في حياتي.”
وقّع كريم على الأوراق بيد ترتعش، وهو يدرك أنه وقع على وثيقة وفـ,ـاته المهنية والاجتماعية. البداية الجديدة: شمس تشرق من جديد بعد مرور شهرين.. كانت ليلى تجلس في حديقة قصرها الجديد، تتابع من خلال جهازها اللوحي صفقات شركتها العالمية التي تضاعفت أرباحها بعد التخلص من “الأصول الفاسدة” (مجموعة المنصور).
أما كريم وسما ودولت، فقد انتقلوا للعيش في شقة صغيرة بالإيجار في منطقة عشوائية. سما أصبحت تقضي يومها في خدمة حماتها دولت التي لم تتوقف عن توبيخها وصراخها بأنها سبب خراب البيت، بينما كان كريم يعمل كموظف حسابات صغير براتب ضئيل في شركة يديرها أحد أصدقاء ليلى القدامى (دون أن يعلم كريم أن ليلى هي من وظفته هناك فقط لكي يظل تحت رحمتها ويرى نجاحها كل يوم). نظرت ليلى إلى السماء الصافية، وشعرت بركلة خفيفة من جنينها في بطنها. ابتسمت من قلبها وقالت:
— “الدنيا لفت يا بني.. والست اللي حاولوا يهينوها، بقت هي اللي بتتحكم في مصيرهم. ودلوقتي.. نقدر نبدأ حياتنا بجد.”