دخلتُ قاعة المحكمة، وخطوات كعبي العالي كانت بتض.رب الأرض بثقة تزلزل الرخام. في إيدي الكاري كوت اللي فيه يوسف، وعلى وشي نضارة شمس سوداء خبت الإرهاق، بس مَخبتش نظرة التحدي. نهى كانت ماشية جنبي، شايلة في إيدها الشنطة الجلد السمسونيِت اللي فيها “القنبلة الموقوتة”.. أوراق الصندوق الائتماني، وفلاشة عليها كل المستندات وصور التحويلات السريّة برة مصر. على الجانب التاني من الممر، كان شريف رسلان واقف وحواليه تلاتة من أكبر محامين البلد، لابسين بدل غامقة وبيراجعوا أوراقهم بنظرات متعالية. شريف كان لابس ساعته الباتيك فيليب الشيك، وأول ما شافني، ابتسم بسخرية وهو بيعدل جاكيت بدلته:
— فريدة؟ إنتي إيه اللي جابك هنا؟ افتكرت إنك بتمضي الورق في هدوء في شقة أكتوبر.. بلاش شوشرة مالهاش لزمة، مش شريف رسلان اللي بيتهدد. في اللحظة دي، نزلت النضارة ببطء وبصيت في عينه مباشرة، وابتسمت أهدى وأبرد ابتسامة ممكن يشوفها في حياته: — أنا مش جاية أهددك يا شريف.. أنا جاية أسترد اللي بتاعي.. وبتاع ابنك. شريف ملامحه اتغيرت فجأة، وعينه جت على الكاري كوت: — ابن مين؟ إنتي بتقولي إيه؟
قبل ما ينطق بكلمة زيادة، حاجب المحكمة نادى على القضية. دخلنا الأوضة المقفولة الخاصة بالمستشار رئيس الدائرة لبحث التسوية، بناءً على طلبنا. قعد شريف ومحامينه في ناحية، وأنا ونهى في الناحية التانية. المحامي الكبير بتاعه بدأ يتكلم بنبرة واثقة: — سيادة المستشار، موكلي قدم تسوية طلاق أكتر من عادلة للمدعوة فريدة، وشقة تمليك في موقع متميز، ونفقة شهرية مناسبة، مقابل غلق الملف تماماً وعدم التشهير بالمجموعة. نهى بصتلي، فهزيت راسي ليها بالإيجاب. وقفت نهى بكل هدوء وفتحت الشنطة، وطلعت منها حافظة مستندات لونها أحمر، وحطيتها قدام المستشار:
— سيادة المستشار، إحنا بنرفض التسوية المهينة دي جملة وتفصيلاً. وبنقدم للمحكمة الموقرة شهادة ميلاد الطفل “يوسف شريف رسلان”، المولود قبل ميعاده بـ 3 أسابيع نتيجة إهمال وضغط عصبي متعمد من والده. شريف وقف من على الكرسي وعروق وشه بارزة: — ابن؟ إنتي كدابة! ده مش ابني.. إنتي بتتبلي عليا عشان تاخدي قرشين زيادة! المستشار خبط على المكتب: — الزم حدودك يا أستاذ شريف واقعد مكانك! المحكمة مش مجال للمشادات.
قعد شريف وهو بيغلي، والمحامي بتاعه همس له في ودنه وهو مخضوض. كملت نهى بصوت جهوري وثابت: — ومش بس كده يا فندم. بموجب عقد الصندوق الائتماني لعائلة رسلان، والموقع عام 1998، وتحديداً “البند رقم 24” الخاص بحماية الورثة الشرعيين وإدارة الأصول.. نقدم مستندات رسمية تثبت قيام السيد شريف رسلان بإخفاء أصول مالية، وتحويل مبالغ تزيد عن 50 مليون دولار لحسابات خارجية في دبي ولندن باسم أطراف تالتة، بغرض حرمان زوجته ووريثه الشرعي من حقوقهم، بالإضافة إلى تعريض حياة الجنين للخطر وثبوت ذلك بتقرير طبي من مستشفى الشيخ زايد.
محامي شريف الكبير وشه جاب ألوان، وبدأ يفر في الورق اللي معاه وإيده بترتعش. شريف بص للمحامي بتاعه وقال بصوت واطي ومرعوب: — في إيه؟ إيه البند ده؟ ما تخلصوا! المحامي همس له وصوته بيقطع: — يا شريف بيه.. البند ده حقيقي.. ده البند القديم اللي حطه حماك الله يرحمه لما ضخ السيولة في المجموعة.. لو الكلام ده ثبت.. السيطرة على المجموعة كلها بتتنقل لفريدة هانم بصفتها الوصية على الوريث!
في اللحظة دي، شريف بصلي وكأنه بيشوفني لأول مرة. مكنش شايف فريدة الست الهادية المطيعة اللي بتستناه بالشهور في البيت.. كان شايف المحامية الشاطرة، بنت الراجل اللي عمل إمبراطوريته، وهي بتاخد حقها وحق ابنها تالت ومتلت. المستشار بدأ يراجع الأوراق بدقة شديدة، وملامحه كانت بتزداد جدية مع كل ورقة بيقلبها. بعد دقائق مرت كأنها سنين، رفع عينه وبص لشريف وقال:
— الأوراق والمستندات المرفوعة مبدئياً سليمة وموثقة من جهات رسمية وخارجية. وبناءً عليه، وبموجب شروط الصندوق الائتماني، تُجمد مؤقتاً كافة الصلاحيات الإدارية والتنفيذية للسيد شريف رسلان في “مجموعة رسلان للإنشاءات”، وتنتقل سلطة الإدارة والتوقيع الفوري للوصية القانونية، السيدة فريدة، لحين الفصل النهائي في الدعوى خلال 48 ساعة. شريف حس إن الأرض بتلف بيه، سند على المكتب والدم هرب من وشه: — يعني إيه؟ إنتوا بتخربوا بيتي؟ دي شركتي! فلوسي! تعبي!
وقفت، وشيلت الكاري كوت براحة، وبصيت له ونظرة الانكسار في عينه كانت كفاية بالنسبة لي: — دي مكنتش شركتك لوحدك يا شريف.. دي فلوس بابا اللي أنقذتك زمان، والظاهر إنك نسيت الإيصال. ورق الطلاق أنا همضيه.. بس شقة أكتوبر دي خليها لنفسك.. عشان احتمال تحتاجها لما تطلع من مكتبك الفخم في التجمع. خرجت من الأوضة وأنا حاسة بنسمة هوا باردة ونقية بتغسل كل الوجع اللي عشته. نهى ضحكت وح.ضنتني: — عملتيها يا فريدة! الإمبراطورية بقت تحت رجليكي.
بصيت ليوسف اللي فتح عينه الصغيرة وبصلي وكأنه حاسس بالنصر: — لسة يا نهى.. دي مجرد البداية. شريف ونادية هانم لازم يتعلموا الدرس للآخر. بعد يومين بالظبط، كانت السوشيال ميديا والجرائد الاقتصادية مقلوبة بخبر واحد: “تغيير مفاجئ في قيادة مجموعة رسلان للإنشاءات.. فريدة، طليقة شريف رسلان، تتولى منص.ب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي”. وصلت قدام البرج الزجاجي الضخم للمجموعة في التجمع الخامس. الأمن والموظفين كانوا واقفين طابورين، منكسين رؤوسهم ومستنيين “الست” اللي قلبت الطاولة على الحوت الأكبر. نزلت من العربة المرسيدس السوداء، وبكل ثقة ودلع منتصر، دخلت المكتب الرئيسي، وقعدت على الكرسي الجلد الفخم اللي كان شريف بيقعد عليه.
مفيش خمس دقائق، والباب اتفتح ودخلت نادية هانم، وشها شاحب وكبرت في السن عشر سنين في يومين، ووراها شريف اللي كان باين عليه البهدلة ومطفي. نادية هانم حاولت تتماسك وقالت بنبرة مرتعشة: — فريدة.. يا بنتي.. إحنا أهل، ومفيش داعي للفضاياح دي وسط السوق.. شريف غلط، بس إنتي قلبك كبير.. ويوسف ده ابننا في الآخر.. سندت ضهري على الكرسي، وشبكت صوابعي وبصيت لهم من فوق لِتحت: — دلوقتي بقى ابنكم؟ لما كنت بموت في المستشفى لوحدي مكنش ابنكم؟ لما شريف كان بيمضي ورق الطلاق وبيطردني بشقة في أكتوبر مكنتش بنتك؟
شريف قرب خطوة وصوته مكسور: — فريدة.. أرجوكي.. بلاش تدمريني.. أنا مستعد لأي حاجة.. هرجعلك، وهكتبلك كل اللي عايزاه.. بس بلاش تشيليني من المجموعة.. ده اسمي وشرفي في السوق. ضحكت بصوت مسموع، ضحكة رنت في أركان المكتب الفخم: — ترجعلي؟ إنت بجد فاكر إنك لسة غالي عليا يا شريف؟ إنت كنت مجرد صفقة خسرانة وأنا قفلتها. أما بالنسبة للمجموعة.. فإنت من دلوقتي مالكش أي صفة هنا. سكرتيرتك القديمة برة جهزتلك كرتونة فيها حاجتك الشخصية.. والبودي جاردز مستنيينك برة عشان يوصلوك للبوابة.
بصيت للساعة ودست على زرار الإنتركوم: — أستاذة نهى.. دخلي المستثمرين العرب عشان اجتماع الساعة 12.. ورجاءً، نظفي المكتب من أي طاقة سلبية. شريف ونادية هانم خرجوا يجروا أذيال الخيبة، والباب اتمسح وراهم. بصيت من الشباك الإزاز الكبير على شوارع القاهرة الواسعة، وأخدت نفس طويل.. أنا فريدة، الست اللي مكنتش كفاية، بقيت دلوقتي هي الإمبراطورية كلها.