— في إيه يا شريف؟ مالك بتصرخ ليه؟ وفين مراتها؟ شريف ماردش عليها، زقها من كتفها وجري على السلم حافي. كان بينزل السلم تلات درجات في خطوة واحدة، وصوت أنفاسه المكتومة مالي المكان. فتح باب العمارة وطلع يجري على الرصيف، لحد ما وصل تحت البلكونة بتاعته بالظبط، عند الشجرة. وقف مكانه مذهول.. الكتل البيضا اللي شافها من فوق مكانتش جـ,ـثة نور. دي كانت طرحة نور البيضا، وجاكيت صوف بتاعها، وجمبهم شوال قماش قديم غرقان مية ومنقوع طين!
شريف وطى على الأرض وهو مش مصدق، مسك الطرحة.. كانت ساقعة تلج ومبلولة، بس مفيش أي أثر لدم، ومفيش أي أثر لنور. بص حواليه في الشارع الضلمة، يمين وشمال، من رصيف لترعة لبيوت مقفلة.. اختفت! كأن الأرض انشقت وبلعتها. في اللحظة دي، حس ببرودة شديدة بتلمس رقبتها من ورا، كأن فيه حد واقف وراه وبيتنفس نفس ساقع. التفت بسرعة.. ملقاش حد. طلع الشقة تاني وهو زي المجنون. لقى فايزة قاعدة في الصالة، وشها أصفر زي الليمونة، وبتفرك في إيديها.
— شريف.. أنا خايفة. الشقة دي فيها حاجة غلط. شريف مسكها من دراعها بغضب وعينيه حمرة: — نور فين يا فايزة؟ أنتِ فتحتي لها الباب وعملتي فيها حاجة؟ — والله ما لمستها! — صرخت فايزة وهي بتبكي — أنا كنت نايمة وصحيت على صوت جريك. بس أنا شفت السجادة.. بص على الأرض!
شريف بص لمكان ما فايزة بتشاور. آثار الأقدام المبلولة اللي بدأت من باب الشقة وراحت للبلكونة مكانتش مجرد مية عادية. المية كانت ريحتها غريبة.. ريحة مية راكدة، زي مية الترع أو المجاري القديمة. والأغرب.. إن آثار الأقدام دي مكانتش رايحة للبلكونة بس، دي كانت “راجعة” كمان من البلكونة ولفت دخلت المطبخ! شريف مشي ورا الأثر بخطوات مرعوبة لحد ما دخل المطبخ. المطبخ كان ضلمة، وريحة الزفارة بتاعة السمك لسه فواحة. لقى الحنفية بتنقط ببطء: تك.. تك.. تك.
وعلى الرخامة، جنب سـ,ـكين المطبخ الكبيرة، كان فيه ورقة صغيرة مبلولة مكتوب عليها بخط متلخبط ومهزوز: “الفلوس مش لأمي يا شريف.. الفلوس كانت عشان أدفعها للي بيهددني بيك. اللي قفل الباب عليا مكانش أنت.. الترباس اتلف من بره ومن جوه في نفس الوقت.” شريف حس إن عقله هيطير. يعني إيه الترباس اتقفل من بره وجوه؟ ويعني إيه حد بيهـ,ـددها بيه؟ في اللحظة دي، تليفون نور اللي كان سيبه على سفيرة الصالة رن.
شريف جري عليه، شاشته كانت منورة برقم “خاص” (Private Number). فتح الخط وإيده بيمـ,ـوت فيها الدـ,ـم: — ألو؟ نور؟ أنتِ فين؟ صوت من الناحية التانية جه.. بس مكانش صوت نور. كان صوت راجل، حشرجته غريبة كأن فيه مية في زوره، بيتكلم ببطء مريب: — شريف بيه.. مرتك أمانة عندي. بس الأمانة تمنها غالي. الـ 8,000 جنيه اللي هي حولتهم، دول كانوا أول قسط من تمن عمرك. نور عرفت السر اللي أنت مخبيه من خمس سنين.. السر اللي فايزة أختك فاكرة إن محدش يعرفه غيرها.
شريف حس بصدمة لجمته. خمس سنين؟ السر ده مفيش مخلوق يعرفه غيره هو وفايزة.. سر الحـ,ـادثة القديمة في طريق طنطا اللي مـ,ـات فيها راجل غلبان وهربوا. التفت شريف ببطء وبص لفايزة اللي كانت قاعدة على الكنبة بتترعش. — فايزة.. أنتِ قلتِ لحد على موضوع الحـ,ـادثة؟ فايزة بلمت، وعينيها اتملت رعب حقيقي، وبدأت شفايفها تترعش ومنطقتش. وفجأة.. صوت خبط عنيف ورزع بدا على باب الشقة البراني. خبط متواصل وبقوة مرعبة، كأن فيه حد عايز يكسر الباب.
شريف قرب من الباب بخطوات تقيلة، وبص من العين السحرية. الممر بره كان ضلمة كحل، واللمبة مكسورة. بس وسط الضلمة، قدر يلمح خيال شخص واقف.. شخص طويل، هدومه كلها بتنقط مية بغزارة على الأرض، ورافع إيده المبلولة وبيخبط بيها على الخشب. شريف رجع خطوة لورا وهو بيتفحص الشقة اللي بقت زي المصيدة. مراته اختفت من بلكونة مقفولة، وآثار مية مجهولة جوه البيت، وتليفون بتهـ,ـديد من الماضي، وفايزة قاعدة بتخبي سر، وح
اجة غريبة واقفة ورا الباب بتخبط في عز التلج. أدرك شريف في اللحظة دي إن الترباس اللي قفله بإيده، مكانش مجرد عقاب لنور.. ده كان إذن بالدخول لعنـ,ـة قديمة كانت مستنية اللحظة دي عشان تصفي الحساب بالكامل