منوعات

مراتي مدرسه

اضـ,ـطراب العواصف لا يُبقي على شيء مستقر، وعاصم وجد نفسه فجأة واقفاً في عين الإعصار. بعد الكلمتين اللتين ألقتهما نجلاء بنبرة صقيعية: “تمام.. كده اللعب بقى على المكشوف”، دارت بظهرها ودخلت غرفتها، وأغلقت الباب بهدوء مريب. هذا الهدوء كان أشد رعباً على عاصم من صراخ أمه في الهاتف. وقف عاصم في الصالة، ينظر إلى يديه المرتعشتين، يشعر بثقل الـ 11 ألف جنيه في جيبه، وقيمة الـ 32 ألفاً التي تصنع لزوجته درعاً لا يمكن كسره.

مرت ثلاثة أيام. تحول البيت فيها إلى ما يشبه “ثكنة عسكرية” مدارة بالريموت كنترول. نجلاء لم تقصر في واجبات البيت؛ الأكل يوضع في موعده، ملابس عاصم مكوية، والأولاد يذهبون لمدارسهم وتمارينهم. لكنها كانت “جسداً بلا روح”، لا تتحدث مع عاصم إلا في حدود “نعم” و”لا”. كانت تخرج لدروسها الخصوصية من الصباح الباكر وتعود ليلاً، ودفاترها تحيط بها كحصن منيع. أما على الجانب الآخر، فكانت الأم (الحاجة فاطمة) تشن حـ,ـرب استنـ,ـزاف نفسية. لم تتوقف اتصالاتها بعاصم في العمل:

“ها يا ابن بطني؟ عملت إيه مع الهانم؟ قعدتها من الشغل ولا لسه مدياك بالجزام؟ أخوك بيمـ,ـوت في اليوم مية مرة بسبب كسرة النفس، وإنت واقف تتفرج على مرااااتك وهي بتذل أهل جوزها!” كان عاصم يحاول تهدئتها: “يا أمي، نجلاء عرضت حل وسط، الشقة إيجار مخفض…” تقاطعه بصوت حاد: “إيجار؟! إحنا مش شحاتين عند أبوها! يا تملك أخوك الشقة يا إنت مش ابني ولا أعرفك ليوم الدين!”

كانت هذه الجملة الأخيرة هي القشة التي قصمت ظهر عاصم. “غضب الأم” كابوس يطارد أي شاب شرقي، وشعور العجز أمام متطلبات الحياة جعله ينهار. قرر أن يفعل الشيء الأخطر: أن يضغط على نجلاء بكل ما يملك من سلطة زوجية. في المساء، دخل عاصم المطبخ حيث كانت نجلاء تحضر الشاي. وقف وراءها وقال بصوت حاول أن يجعله جهوراً وقوياً: — نجلاء.. إحنا لازم نتكلم. الموضوع ده لازم ينتهي. أمي مش هتهدى، وأنا مش هخسر أمي وأخويا عشان فلوس.

التفتت نجلاء براحة، ساندة ظهرها إلى الرخام، ونظرت إليه برود: — والمطلوب يا عاصم؟ أروح أسحب شقا عمري وأكتبه لمازن تمليك عشان ترضى؟ عاصم بنبرة متوسلة ممزوجة بالتهـ,ـديد: — مش تمليك كامل.. اكتبيلو الشقة، أو على الأقل تنازلي عن فكرة الإيجار دي، اعملي أي حاجة ترضيها. وبعدين أمي قالت لو مش عاجبك، تقعدي من الشغل! وأنا جوزك وبقولك: مفيش نزول شغل تاني من أول الشهر! دروس خصوصية برة البيت مفيش!

نزلت الكلمات على نجلاء، لكنها لم تبكِ ولم تصرخ. ابتسمت ابتسامة صفراء وقالت: — تقعدني من الشغل؟ بصفة إيه يا عاصم؟ بصفتك بتصرف عليا وعلى دروسي وكفاحي؟ ولا بصفتك الراجل اللي مقضّي بيته بالورقة والقلم والمليم؟ أنا اللي شايلة معاك مصاريف مدارس اللغات لعيالك، أنا اللي لبسهم وأكلهم نضيف من فلوسي عشان مش عايزاك تحس بنقص. جاي دلوقتي تقولي اقعدي من الشغل عشان أرضي طمع والدتك؟ عاصم صرخ بغضب: — دي أمي! ومش هسمحلك تغلطي فيها! لو الشغل ده هيخرب بيتي ويزعل أمي مني، يبقى بلاش منه! يا نجلاء اسمعي الكلام، يا إما…

قطعت كلامه برفع يدها: — يا إما إيه؟ تطـ,ـلقني؟ تمام يا عاصم. إنت اللي اخترت. اللعب على المكشوف في صباح اليوم التالي، استيقظ عاصم ليجد المفاجأة. نجلاء لم تكن في البيت، والأولاد ليسوا في غرفهم. على طاولة السفرة، وجد رسالة مكتوبة بخط يدها المنمق: “عاصم.. أنا أخدت الأولاد وقعدت في شقة إيجار جديدة أنا مأجراها من أسبوع تحسباً لليوم ده. فلوسي في البنك زي ما هي، وشغلي مستمر، والطلبة بتوعي بيحبوني ومحدش يقدر يقعدني في البيت. لو عايز تشوف ولادك، المحكمة أو الأصول هي اللي هتحكم. طالما اخترت ترضي أمك على حساب بيتك وظـ,ـلمتني، استحمل نتيجة اختيارك.”

جن جنون عاصم. ذهب فوراً إلى بيت أمه ليعلمها بما حدث. الحاجة فاطمة زغردت وقالت: “في داهية! بكره تاخد ست ستها، والفلوس اللي معاها دي هتروح في المحاكم، وهي اللي هتجيلك راكعة عشان تطلب السماح!” لكن مازن، الأخ الأصغر، كان جالساً في الزاوية، يفرك يديه بخجل وقال بصوت خافت: “يا أمي.. أنا مكنتش عايز كل ده يحصل.. أنا ذنبي إيه أخرب بيت أخويا؟” صرخت فيه الأم: “اسكت إنت! إنت متفهمش حاجة، دي كانت لازم تتربى!”

الحقيقة المُرّة مر شهر كامل. انقلبت حياة عاصم جحيماً. الـ 11 ألف جنيه لم تعد تكفي لشيء. وجد نفسه مسؤولاً عن دفع فواتير الكهرباء، والغاز، ومصاريفه الشخصية، وديون السوبر ماركت التي كانت نجلاء تغطيها دون أن يشعر. البيت أصبح كئيباً، موحشاً، والأكل الجاهز استنزف مرتبه في أول عشرة أيام. في المقابل، كانت نجلاء تزدهر. انتشرت أخبار الخلاف، وتضامن معها أولياء أمور الطلاب، وزاد الإقبال على مجموعاتها التقوية. اشترت سيارة صغيرة من مدخراتها لتسهيل حركتها مع الأولاد.

شاهدها عاصم مصادفة وهي تخرج من المدرسة، تركب سيارتها والضحكة تملأ وجهها مع أولادهما. شعر بطـ,ـعنة في قلبه. لم تكن نجلاء هي المستضعفة التي تحتاج إليه لتأكل، بل كان هو الذي يحتاج لوجودها ليعيش حياة كريمة. جلس عاصم مع صديقه المقرب “سعيد” في القهوة، وشرح له المأساة. سعيد نظر إليه بأسى وقال:

— يا عاصم، إنت غلطت غلطة العمر. بر الأم مش معناه تسـ,ـرق قُوت مراتك وتديه لأخوك. نجلاء عرضت حل يرضي ربنا؛ شقة ملكها وإيجار رخيص لأخوك، وده كرم منها مش واجب عليها. أمك طمعت، وإنت جيت على الحيطة المايلة. روح صالح مراتك ورجّع عيالك قبل ما ترفع قضية خلع وتخسر كل حاجة : نقطة التحول والقرار الإجباري عاد عاصم إلى بيت أمه ليلاً، ووجد خنـ,ـاقة شديدة بين أمه وأخيه مازن. مازن كان يصرخ:

— أنا خطيبتي سابتني يا أمي! عرفت باللي عملتوه مع مدرسة الإنجليزي ورفضت تتجوزني، قالتلي اللي يطمع في مال مرات أخوه بكره يطمع في شقايا! بوظتوا بيتي وبوظتوا بيت عاصم! وقع الكلام كالصاعقة على الحاجة فاطمة التي جلست تبكي. هنا أدرك عاصم الحقيقة: لقد خسر كل شيء في لعبة لم يكن له فيها ناقة ولا جمل. اتصل بنجلاء. ردت بعد رابع رنة، بصوت هادئ وثابت: — أيوة يا عاصم. — نجلاء.. أنا عايز أشوفك.. أنا أسف.

— نتناقش في الكافيه اللي جنب بيت بابا بكره الساعة 6. : شروط المنتصر جلس عاصم أمام نجلاء في المكان المحدد. كانت تبدو أكثر ثقة وأناقة. بدأ عاصم بالكلام ودموعه في عينيه: — نجلاء، أنا عرفت قيمتك. البيت من غيرك ضلمة، والمرتب مش مقضي، وأمي عرفت إنها غلطت، ومازن خطوبته اتفكت. أرجوكي ارجعي البيت. نجلاء نظرت إليه بهدوء وقالت: — أنا هرجع يا عاصم.. بس بشروطي. اللعب مابقاش على المكشوف بس، اللعب بقى بـ “قواعدي أنا”:

أولاً: فلوس شغلي وشقايا خط أحمر، ومحدش يفتح سيرة قرش واحد يدخل جيبي. ثانياً: إحنا هننقل من الشقة الحالية، هنأجر شقة تانية في منطقة أرقى، وأنا هساعد في مصاريفها، عشان نبعد عن محيط والدتك والزَن اليومي. ثالثاً: علاقتك بأمك بر وفوق راسي، تزورها وتودها وتصرف عليها من مرتبك الـ 11 ألف زي ما تحب، لكن رجلي مش هتعتب بيتها، وهي مالهاش دعوة بحياتنا ولا ببيتي. : مازن أخوك، لو لسه عايز الشقة، العرض القديم بتاعي ساري؛ شقة باسمي وإيجار مخفض بعقد رسمي، يوافق أو يرفض ده يرجعله.

نظر عاصم إلى الشروط. كانت شروطاً قاسية على كبريائه كشرقي، لكنها كانت عادلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. تنفس عاصم بعمق، ومد يده ليمسك يد نجلاء وقال: “موافق يا نجلاء.. موافق عشان المركب تمشي، وعشان اتعلمت الدرس.. الشاطر هو اللي يحمي بيته، مش اللي بيسمع كلام الناس.” انتهت الحـ,ـرب، وعاد عاصم لبيته، ليس كـ “زوج مغلوب على أمره”، بل كرجل تعلم أن الحقوق لا تُهـ,ـدر تحت مسمى العاطفة، وأن نجلاء كسبت المعركة لأنها لم تفرط في عرق جبينها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى