… يعني الاتفاق اتلغى؟ يعني الحبر اللي على الورق داب، ونبدأ نكتب السطور بجد؟” قالها فؤاد وهو بياخد خطوة واسعة ناحيتي، عينيه اللي كانت دايماً مليانة هدوء وحذر، فجأة بقى فيها لمعة غريبة، مزيج من الفرحة الخوف، كأنه طفل لقى اللعبة اللي اتمناها طول عمره بس خايف تطلع حلم ويصحى منه. أنا رجعت خطوة لورا من المفاجأة، ض.ربات قلبي كانت مسموعة لدرجة إني حسيت إنه سامعها. هزيت راسي وأنا ببتسم من بين دموعي وقلتله: “اتلغى يا فؤاد.. اتلغى من يوم ما لقيت نفسي برفض خروجات صحابي لمجرد إني مستنية الساعة تيجي 5 علشان أسمع صوت مفتاحك في الباب”.
في اللحظة دي، البيت اللي كنا عايشين فيه بقالنا شهور كأنه اتملا دفا فجأة. السكوت اللي كان دايماً بيفصل بين أوضتي وأوضته اتمزق تماماً. فؤاد ضحك بصوت عالي، ضحكة صافية بقالي كتير مسمعتهاش، وقرب ومسك إيدي لأول مرة برغبة حقيقية مش مجرد تظاهر قدام الجيران، وقال: “أنا مش مصدق.. يعني أنا كنت بقيد في نفسي وناري بتاكلني وأنتي كمان كنتي حاسة؟” فصل جديد.. وقواعد قديمة بتتكسر
عدت الليلة دي وكأننا بنتعرف على بعض من أول وجديد. قعدنا في الصالة لحد الفجر، بنتكلم عن كل المرات اللي دارينا فيها مشاعرنا. فؤاد اعترفلي إنه يوم ما زميلي عملي “لايك” على الصورة، هو منامش طول الليل وفضل يقلب في بروفايل الراجل ويشوف بيشتغل إيه وعنده كام سنة! وأنا اعترفتله إني يوم ما حسناء بنت خالتي جت ووقفت معاه في المطبخ تعمل شاي، أنا كنت واقفة ورا الباب وهمو.ت وأدخل أشدها من شعرها.
لكن، زي أي تحول مفاجئ، الأيام اللي بعد كده مشيت في خط مشحون بالتوتر اللذيذ. صحيت الصبح تاني يوم على ريحة قهوة وفطار. خرجت لقيت فؤاد واقف في المطبخ، لابس قميصه اللي بيجهز بيه للشغل، بس أول ما شافني اتسمر مكانه. نظراته اتغيرت، مقتش نظرة “الزميل في السكن”. قرب مني وابتسم: “صباح الخير يا مدام فؤاد.. بجد المرة دي”. اتكسفت ونزلت عيني في الأرض: “صباح النور”. ضحك وهو بيقرب: “لا بقولك إيه، إحنا بقالنا شهور بنهزر ونلعب كوتشينة، هتيجي عند دي وتتكسفي؟”
التحول ده كان ممتع بس كان فيه تحدي، فؤاد لسه جواه حتة الغيرة الشرقية اللي اتكتمت شهور، وأنا لسه جوايا البنت اللي واخدة على حريتها ومبتستأذنش من حد. السم اللي اتقلب ترياق: انتقام حسناء بعد يومين، تليفوني رن. كانت حسناء. طبعاً بعد ما فؤاد طردها، هي مكنتش هتقعد ساكتة. حسناء من النوع اللي لو معرفش يبوظ الطبخة، يرمي فيها تراب. رديت ببرود: “أيوة يا حسناء”.
جاءني صوتها المسموم والمصطنع بالندم: “حنين.. أنا بجد أسفة على اللي حصل، أنا مكنتش أقصد، أنا بس كنت بهزر معاكي.. بس فؤاد طريقته كانت وحشة أوي وطردني، وأنا الصراحة خايفة عليكي منه، ده بان على حقيقته وعصبيته وحشة أوي، وأنتي أصلاً متجوزاه غصب عشان تهربي من موضوع راجل الأعمال.. افتكري الاتفاق اللي بينكم يا حبيبتي، متخليش الغرور ياخدك”. كنت لسه هرد وأمسح بيها الأرض، بس لقيت إيد فؤاد بتاخد التليفون من إيدي بهدوء. حطه على السبيكر وقال بصوت رخيم وثابت:
“يا آنسة حسناء.. شكراً على خوفك “الزايد” على حنين. بس حابب أصلحلك معلومة صغيرة؛ الاتفاق اللي كنتي بتتكلمي عنه ده إحنا بلّيناه وشربنا ميته من يومين. حنين مش مراتي على الورق، حنين مراتي في قلب الصالون وفي قلب الأوضة وقدام ربنا وقدام الدنيا كلها. ويا ريت لما تحبي تزورينا تاني.. متزوريناش أصلاً لأن الباب ده مبيفتحش للناس اللي قلوبها سودا”. وقفل السكة في وشها. أنا وقفت متنحة، وبصيتله بذهول: “أنت قفلت في وشها؟ دي هتروح تقلب العيلة كلها وتقول إننا اتخانقنا وشتمناها!”
فؤاد حط التليفون على التربيزة وقرب مني، مسك وشي بين إيديه وقال بثقة: “تقول اللي تقوله. طول ما أنا وإنتي في بيت واحد وقافلين بابنا علينا وبنحب بعض، أعلى ما في خيلهم يركبوه. أنا سكتلك كتير يا حنين وسيبتك تعملي اللي أنتي عايزاه عشان كنت بحترم “الاتفاق”، إنما دلوقتي؟ أنتي في حمايتي، ومفيش مخلوق هيزعلك بكلمة”. أول خروجة “حقيقية” علشان يكسر التوتر ده، فؤاد قالي: “البسي.. هنخرج”. نزلت جيبتي الطويلة اللي بيحبها، وعملت شعري بطريقة كان دايماً يلمح إنه بيحبها، وخرجنا.
المرة دي الخروجة كانت مختلفة تماماً. مكنش فيه مسافة الأمان اللي بنسيبها بيننا وإحنا ماشيين في الشارع. فؤاد شبك صوابعه في صوابعي، وكان كل ما راجل يعدي من جنبنا، يشدني ناحيته أكتر ويوشوشني: “وسعي كده مش ناقصة حد يبص”. روقنا، وأكلنا في مكان بسيط على النيل بنحبه، وفجأة سألني وهو بيبص في عيني: “حنين.. أنتي ندمانة؟ يعني.. موضوع راجل الأعمال والمستوى اللي كان هيعيشك فيه، عمره ما جه في بالك؟”
مسكت إيده وضغطت عليها جامد وقلتله: “فؤاد، الراجل ده كان عايز يشتريني كتحفة يحطها في بيته عشان يتباهى بيها قدام الناس. إنما أنت.. أنت شوفتني وأنا بضفاير، وشوفتني وأنا بعيط من درجات الفيزياء، وشوفتني في أسوأ حالاتي وفضلت تحبني. الفلوس بتعمل برستيج، بس مبتعملش سند. وأنت سندي يا فؤاد”. عينيه لمعت بدموع داراها بسرعة وبص للنيل وهو بيتنفس براحة كأنه كان شايل جبل ونزله. المفاجأة المدوية ورجعنا البيت بليل، والدنيا هادية والجو جميل. فؤاد قالي: “استني هنا، متدخليش ورايا”.
دخل أوضته (اللي المفروض كانت أوضته لوحده)، وغاب خمس دقايق، وبعدين خرج وهو شايل صندوق قطيفة قديم شوية. قعد جنبي وفتح الصندوق. لقيت جواه: ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيد معوج من أيام ابتدائي مكتوب فيها: (حنين أحلى بنت في الشارع وفؤاد بيحبها). شريط ستان أحمر بتاع ضفاير قديم قوي! سلسلة فضة رقيقة جداً فيها قلب مكسور نصين. بصيت للصندوق وبصيتله وأنا مش مصدقة: “فؤاد.. إيه ده؟ شريط الستان ده بتاعي؟!”
ضحك وقال: “آه، وقع منك وأنتي في إعدادي وإحنا بنلعب، وأنا شيلته. والسلسلة دي أنا كنت شاريها ليكي يوم نتيجة الثانوية العامة لما جيبتي المجموع اللي كان نفسك فيه، بس لما لقيت العيلة كلها متجمعة وباركولك خفت أدخل وأديهالك ويقولوا واد صايع بيحب بنت عمه، فخبيتها”. أنا انهرت من العياط، مش عياط زعل، عياط من كتر الفرحة والذهول إن الحب ده كله كان عايش جنبي في نفس البيت، ونفس الشارع، وأنا كنت عمية عنه.
قرب مني ومسح دموعي وقال بصوت كله حنية: “أنا مش عايز أشوف دموعك تاني. الجواز اللي على الورق انتهى يا حنين.. والنهاردة، دي أول ليلة في جوازنا الحقيقي”. وفي اللحظة دي، تليفون فؤاد رن.. وكان المتصل هو “حمايا” (بابا)، وصوته على التليفون كان قلقان وبيتكلم بنبرة غريبة: “فؤاد.. الحقني.. خالتك وبنتها حسناء قالبين الدنيا تحت في البيت وعاملين فضيحة!” فؤاد بصلي، وابتسامة التحدي ظهرت على وشه، وقفل التليفون وقال: “شكلنا كده هناخد أول معركة سوا كزوج وزوجة.. جاهزة يا مدام فؤاد؟”
ابتسمت بثقة وقلتله: “طول ما إيدك في إيدي.. أنا جاهزة لأي حاجة”.