منوعات

رمت السمك

خرجت ندى من الأوضة الصبح والبيت كان غرقان في صمت مريب، لكنه الصمت اللي بيسبق العاصفة. ساعة الحائط كانت بتدق ثمانية الصبح. أحمد كان قاعد على الكنبة بيلبس جزمته وعينه مجهدة من قلة النوم، وحماتها “الحاجة فاطمة” قاعدة على كرسي السفرة وحاطة إيدها على خدها ووشها عابس، ومنة أخته واقفة قدام المراية بتحاول تحط مكياج وهي بتنفخ بضيق. أول ما ندى خرجت، أحمد بص لها بحدة من فوق لتحت وقام وقف:

– “كويس إنك صحيتِ.. انزلي يلا السوق هاتي حاجتك عشان أهله جايين الساعة سبعة، ومش عايزين تقصير.” ندى بصلت له بمنتهى الهدوء، مش الهدوء بتاع الضعف، لا.. الهدوء بتاع حد خد قراره وخلاص مش باقي على حاجة. عدت من جنبه وراحت ناحية باب الشقة، وقفت وشالت مفاتيحها من العليقة. منة لفت لها بسرعة وقالت بصوت عالي: – “إيه ده؟ هي رايحة فين دي؟ إنتِ نازلة بجلابية القعدة كده؟ هو إحنا هنقضي اليوم استهبال؟”

حماتها قامت وقفت وبصت لها بنظرة استعلاء: – “سيبك منها يا منة.. تلاقيها رايحة تشتري السمكتين بتوعها عشان تذلنا بيهم تاني.. أرضي غرورك يا سي ندى، بس اعملي حسابك الأكل يتعمل الأول وبعدين كلي اللي إنتِ عايزاه.” ندى حطت إيدها على أوكرة الباب، ولفت لهم.. ابتسمت ابتسامة صغيرة ومستفزة جدًا وقالت: – “أنا مش نازلة السوق.. أنا نازلة أفتح الباب للناس اللي زافينكم بره.” قبل ما حد فيهم يفهم الجملة، الباب اتخبط خبطات متتالية وقوية.. خبطات ناس أصحاب حق ومش خايفين.

أحمد حواجبة اتعقدت وبص لندى بشك: – “مين اللي بيخبط كده الصبح؟” ندى فتحت الباب.. دخل راجل في منتصف الخمسينات، لابس بدلة أنيقة وفي إيده شنطة جلد ثقيلة، ووراه ثلاثة رجال أشكالهم هيبة، وبشرتهم صلبة كأنهم جايين من الصعيد أو أرياف مصر القديمة، ومعاهم راجل معاه ورق كتير وشكله محامي. الراجل أبو بدلة دخل بخطوات واثقة، وبص في أرجاء الشقة بنظرة تقييم، وبعدين بص لندى وقال: – “صباح الخير يا أستاذة ندى.. المحامي أستاذ متولي أصر نكون موجودين الساعة تسعة بالدقيقة عشان نخلص إجراءات المعاينة والاستلام.”

أحمد قدم خطوتين بسرعة، ووشه أحمر من الغضب: – “إيه ده؟ إنتوا مين؟ وإزاي تدخلوا بيتي بالشكل ده؟! إنتِ جايبة مين يا ندى؟” ندى وقفت جنب الراجل أبو بدلة، وشاورت عليه بقمة الثبات: – “ده الأستاذ «الحاج توفيق».. المشتري الجديد لعمارتنا كلها.. بالعمارة بالسبع محلات.. بالدور السكني اللي إحنا قاعدين فيه ده.” الصدمة نزلت على الصالة زي الصاعقة! حماتها مسكت في الكرسي وشهقت بصوت عالي: – “عمارة إيه ومشتري إيه؟! إنتِ اتجننتِ يا بت ولا جرالك في عقلك حاجة؟!”

أحمد وشه اتخ.طف وبقى لون الورق، عينه راحت لندى وبعدين للمحامي: – “ندى.. إنتِ بتهزري صح؟ العمارة دي باسمك آه، بس دي ملك البيت كله.. إحنا عايشين من خير إيجار المحلات دي بقالنا خمس سنين! أنا بتدفع لي إيجاراتها وإنتِ تنازلتِ لي عن إدارتها!” ندى قربت منه خطوة، وبصت في عينيه بثبات يقطع النفس:

– “كنت سايبالك الإدارة عشان كنت فاكراك راجل بياخد باله مني ومن كرامتي.. سايبالك إيجار المحلات تصرف منه على أمك وأختك وتعمل بيهم الباشا قدام الناس.. لكن لما توصل إن اللقمة اللي بحبها تترامي في الزبالة قدام عيني، وتقول لي مالكيش ضهر وأهلك ماتوا.. يبقى لازم أفكك من الإحساس الوهمي بالعظمة ده وأعرفك حجمك الحقيقي!” المحامي طلع من شنطته أوراق وقدمها لأحمد:

– “أستاذ أحمد.. المدامة ندى باعت العقار بالكامل لشركة الحاج توفيق للمقاولات من إمبارح بالليل بالتوكيل الرسمي المسجل باسمها، والعقود اتسجلت في الشهر العقاري بشكل مبدئي النهاردة الصبح. وحضرتكم قدامكم مهلة 48 ساعة فقط لإخلاء الشقة والمحلات، لأن العقار صدر له قرار هدم لبناء برج سكني جديد.” – “هدم؟!” منة صرخت وهي حاطة إيدها على شعرها: – “هدم إيه يا متخلفين إنتوا؟! أنا خطيبي وأهله جايين يتعشوا عندنا النهاردة! جايين يقرأوا الفاتحة! إنتوا بتقولوا إيه?!”

الحاج توفيق بص لمنة بنظرة برود وقرف: – “والله يا آنسة الخطوبة دي تعملوها في الشارع أو في أي مكان تاني.. المحلات اللي تحت المحامي أبلغ المستأجرين بإنهاء عقودهم، والعمال هيجوا بكره الصبح ينزلوا السقالات ويشتغلوا.. الشقة دي بكره بالليل تكون فاضية على العروش.” حماتها رجليها ما شالتهاش، سقطت على الكرسي وهي بتصوت: – “يا لهوي يا فضيحتك يا عمران! البيوت تتخرب عشان سمكة؟! عشان أكلة سمك تطردينا من بيتنا يا بنت الفلاحين؟!”

ندى بصت لحماتها بكل قوة وقالت لها: – “أنا بنت الفلاحين اللي أبويا الله يرحمه علمني الكرم والرجال.. أبويا هو اللي اشترى الأرض دي وبناها قبل ما يمو.ت، وكتبها باسمي عشان عارف إن الزمن غدار.. وأنا صنت ابنك خمس سنين، كنت خادمة تحت رجليكي، بنفذ طلباتك الني في ني والدايت، وبحافظ على نفسية أخت المغرورة اللي بتقرف من السمنة البلدي، وبنظف قرفكم كلكم.. وفي الآخر رميتوا لقمتي وحقرتوا من أهلي! يبقى أرض أبويا أولى بيا.. وفلوس العقار بقوا في حسابي في البنك.. سبعة مليون جنيه كاش!”

أحمد مسك إيد ندى بانهيار، ودموعه نزلت لأول مرة: – “ندى.. أرجوكِ! بلاش تمشي، أنا آسف.. أنا حظي كان مهبب لما زعقت لك، أرجوكِ بلاش تعملي فينا كده.. المحلات دي هي شغلي ورزقي، أنا بياع ومزاجي كله كان قايم على إيجاراتها! هروح فين بأمي وأختي؟!” ندى زقت إيده بصرامة ونفضت إيدها منه: – “كنت بتقول إمبارح إني ماليش ضهر هتزعل يومين وتيجي تبوس الأيادي؟.. أنا ضهري ربنا وأبويا اللي سابلي اللي يعزني ويحميني من أمثالك.. بوس إنت بقى إيدين أمك اللي ضيعتك بغرورها وقرفها.”

لفت ندى ودخلت أوضتها، جابت شنطة سفرها الكبيرة اللي كانت محضراها من بالليل، وخرجت بيها وهي مش حاطة في بالها أي تراجع. في نفس اللحظة، تلفون منة رن.. منة فتحت الخط وهي بتبكي هيستيريًا: – “ألو.. إزيك يا حسام..” لكن وراء السماعة كان صوت أم حسام (خطيبها) واضح للكل وهو بيزعق: – “أهلاً يا منة.. إحنا بلّغنا أحمد أخوكِ إن الخطوبة اتلغت.. المحلات اللي تحت بيتكوا اتقفلت والعمال نازلين هدد، والمنطقة كلها بتتكلم إنكم مطرودين من البيت وإن الشقة مش ملككم أصلاً! إحنا ناس بنشتري أصل، ومش هناخد واحدة أخوها بيضحك على الناس وعايش في ملك مراته!”

سقط التلفون من إيد منة، وقعدت على الأرض بتصرخ وتملطش على وشها، وأحمد واقف وسط الصالة زي الفراخ المذبوحة مش قادر ينطق، وحماتها بتئن وبتمسك قلبها وبتقول: “يا لومك يا فاطمة.. يا خرابة بيتك يا فاطمة..” ندى حطت النظارة الشمسية على عينها، وبصت للحاج توفيق والمحامي وقالت: – “استلموا شقتكم يا جماعة.. وأنا مشتية.” مشيت ندى بخطوات ثابتة وثقيلة، صوت كعب جزمتها كان يرن في الصالة الفاضية كأنه ض.ربات طبل على قلوبهم. نزلت العمارة، وفتحت باب الشارع، والشمس كانت طالعة دافية ومشرقة.

ركبت عربيتها التكسي وهي حاسة بانسجام وراحة ملقتهومش من خمس سنين.. مسكت موبايلها، وطلبت مطعم أسماك شهير على النيل.. وقالت للراجل بثبات وابتسامة: – “ألو.. لو سمحت عايزة حجز لشخص واحد.. واعمل لي صينية سمك بلطي مقلي بالخل والتوم، مقرمش ومخدوم كويس.. النهاردة عيد ميلادي وعايزة أحتفل بيه صح.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى