مش شقة ولد مستهتر. نضيفة، ريحتها حلوة، قهوة وخشب. مكتبة كبيرة مليانة كتب، كتب جدو كان بيحبها. وحيطة كاملة متغطية بصور هو اللي مصورها، تحفة. صور لمصر الجديدة الصبح بدري، صور لجدو وهو قاعد في البلكونة، صور ليا وانا صغيرة وانا مش واخدة بالي، بضفاير حمرا وشنطة كبيرة. وفي وسط الصور، على المكتب، لقيت حاجة صـ,ـدمتني.. وقتها بس عرفت ليه جدو كتب الوصية دي … لقيت جواب مكتوب بخط جدو المعوج، ومفتوح ومحطوط فوق نوتة قديمة.
مديت إيدي وأنا بترعش وفتحت الجواب. كان مؤرخ قبل وفاة جدو بشهرين، وموجه لزين:
“يا زين يا ابني.. أنا خلاص صحتي بتودع، وأنت أكتر واحد عارف غلاوة سارة عندي. أنا شايف نظرة عينك ليها من وهي بضفاير، وعارف إنك بتداري حبك وخوفك عليها ورا غلاستك دي عشان تحميها وتفضل قريب منها. خالي سارة مش هيهمه غير مصلحته لما أمشي، وأمها طيبة ومش هتقدر تحميها من الدنيا. أنا مآمنك على روح قلبي يا زين. الوصية دي هي الطريقة الوحيدة اللي هتجبركم تقربوا وتكسروا العند اللي بينكم.. أنا عارف إنك مش طمعان في مليم، بس أنا بشتري راجل لحفيدتي. خليك سندها يا ابني.”
الحقيقة المكتوبة في العين الدموع نزلت من عيني مغرّقة الجواب. كل حاجة لفت في دماغي زي شريط السينما. غلاسته، نظراته، وقفته جنبي في الأسانسير، لفيت بسرعة والجواب في إيدي، كان واقف عند الباب ماسك علبة الدوا. أول ما شاف الجواب في إيدي، ابتسامته الباردة اختفت تماماً ولأول مرة أشوف زين عبد الله ملامحه بتتزوز وبيبص في الأرض زي طفل اتمسك وهو بيسـ,ـرق حاجة. سكتنا… سكتنا ييجي دقيقتين كاملين، مفيش صوت غير صوت ساعة الحائط القديمة اللي عنده.
قرب مني براحة، سحب علبة الدوا من إيدي وحطها على الترابيزة، وقال بصوت واطي ومبحوح: “أنا مكنتش هجبرك على حاجة يا سارة. أنا كنت ناوي أستنى لحد ما السنة تخلص، وأروح للمحامي أتنازل عن كل حاجة وعن أي شرط، والميراث كان هيرجعلك كامل من غير ما تضطري تبصي في وشي حتى.” بصيت للصور اللي على الحيطة.. لـ “عش العصافير” والشنطة الكبيرة، ولقيت دموعي بتنزل تاني بس المرة دي مش من الغضب.
مسحت دموعي وقلتله وأنا بحاول أجمع ثباتي الانفعالي: “ولما أنت طيب وبتفهم في الأصول كده.. مكنتش بتفوت فرصة تضايقني وتستفزني ليه من واحنا عيال؟” ابتسم نص ابتسامة، الخبث والبرود رجعوا لوشه تاني في ثانية وقال: “عشان كنتِ بتبقي شبه الكتكوت المبلول وأنتِ متعصبة، وكنت بضمن إنك هتفضلي تفكري فيا بقية اليوم حتى لو بتدعي عليا.” خطة “رد الاعتبار” طبعاً كلام جدو والجواب لمسوا قلبي، بس أنا سارة! مش بالسهولة دي هرمي نفسي في حبال حبه وأقوله “موافقة يا سي زين”. لازم يدوق من نفس الكأس.
وافقت على الجواز قدام ماما وخالي، بس قعدت مع زين واتفقنا (قدام الناس بس) إن الجواز ده “صوري” عشان الميراث، وإننا هننفصل بعد سنة. هو وافق وهو كاتم ضحكته، وكان باين في عينه إنه قاري لعبي كله. كتبنا الكتاب. وبقيت “مدام زين”. انتقلت للشقة اللي قصادنا بالمللي، شقة زين. ومن هنا بدأت حرب القط والفار، بس على نطاق أوسع.
الجولة الأولى (القهوة): صحيت أول يوم، عملت نفسي الزوجة المطيعة وعملتله قهوة سادة زي ما جدو علمه. بس حطيت فيها معلقتين ملح بدل السكر. شرب الفنجان كله من غير ما يتأثر، وبصلي وقالي: “تسلم إيدك يا سارة، طعمها مميز جداً، بكره أنا اللي هعملك الفطور.” الجولة الثانية (الانتـ,ـقام): تاني يوم صحيت على ريحة حـ,ـريق! جريت على المطبخ لقيت الدخان مغرق المكان، وهو واقف بكل برود لابس مريلة المطبخ وبينقذ “بيض عيون” متفحم. بصلي وقال: “الفطور جاهز يا عروسة، معلش زاد السوى حبتين.” عرفت إنه قاصد يجنني.
الليلة اللي غيرت كل حاجة بعد تلات شهور من العند والمقالب المتبادلة، خالي قرر يعمل عشاء عائلي بمناسبة مشروع جديد ليه، وكان عازمنا. خالي من النوع اللي بيحب المظاهر وبيتكلم بفوقية. طول القعدة، خالي مكنش بيفوت فرصة إلا وبيلمح فيها إن زين “مهندس على قد حاله” وإن الوصية هي اللي رفعته. كنت قاعدة دمي بيغلي، وكنت مستنية زين يرد ببروده المعتاد أو يمسك في خناقه. لكن زين فاجأني. كان قمة في الأدب والهدوء، بيتعامل بثقة رهيبة تخلي اللي قدامه يحس بصغره. ولما خالي زاد فيها وقال: “بس لولا شقة الزمالك يا زين مكنتوش هتعرفوا تبدأوا حياتكم بمستوى كويس.”
زين حط الشوكة والسـ,ـكينة براحة، وبص لخالي وابتسم وقاله: “الشقة دي يا عمي باسم سارة، وهتفضل باسمها. أنا شقتي في مصر الجديدة ملكي، وعندي مكتبي الخاص اللي شغال بقاله سنتين. أنا متجوزتش سارة عشان وصية.. أنا اتجوزتها عشان الحاج سامي الله يرحمه كان عارف مين اللي هيصونها ومين اللي عينه عليها عشان ياخد حتة من ورثها.” خالي وشه جاب ألوان وسكت تماماً. في اللحظة دي، وأنا باصة لزين وهو بيتكلم بقوة وعينه عليا، حسيت إن قلبي دق دقة غريبة جداً.. دقة حقيقية لأول مرة.
نهاية العند واحنا راجعين في العربية بالليل، السكوت كان سيد الموقف. مصر الجديدة كانت هادية، ونور الفوانيس بينعكس على زجاج العربية. التفتّ ليه وقلتله بصوت واطي: “شكراً يا زين.. على اللي قلته عند خالي.” وقف العربية على جنب فجأة. بصلي وعيونه كانت دافية بشكل عمري ما شفته قبل كده. قلع قناع البرود تماماً وقال: “أنا مش عايز شكر يا سارة. وأنا مش مستني السنة تخلص عشان نمثل. أنا بحبك من وأنتِ بضفائر وبشنطة المدرسة الكبيرة.. ومستعد أستناكي العمر كله لحد ما تصدقي ده.”
نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرحة. ضحكت وسط دموعي وقلتله: “طب وعلى فكرة بقى.. الشنطة الكبيرة مكنش فيها كتب خضار.. كان فيها كتب أدب عشان أعرف أرد على رخا متك.” ضحك ضحكته الصافية اللي طالعة من القلب، ولأول مرة أحس إن بلكونة جدو رجعت تتملي تاني، وإن الوصية مكنتش قيود.. دي كانت طوق نجاة. هل تحب أن نضيف تفاصيل أكثر عن مواقف كوميدية حدثت بينهما في الشقة، أم ننتقل لرد فعل خالي بعد ذلك؟
Gemini هو نموذج ذكاء اصطناعي وقد ينتج عنه أخطاء.