منوعات

يوم فتح الوصية

“يوم فتح الوصية، كنا قاعدين كلنا عند المحامي. ماما وخالي ومرات خالي. كله طبيعي، الشقة، المحل، كل الأملاك …” لحد ما المحامي كح وقال الجملة اللي خلت وداني تصفر: “المرحوم كاتب إن نصيب الآنسة سارة من الميراث، مش هتستلمه إلا في حالة واحدة… إنها تتجوز الأستاذ زين عبد الله، جارهم في الشقة المقابلة.” تنحت. صرخت: “أكيد فيه غلطة! جدو مستحيل يعمل فيا كده!” “من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا مش بطيق زين ابن الجيران، وعمري ما تخيلت إنه يكون جوزي. رغم إن كل بنات المنطقة هيتجننوا عليه.”

زين ابن الجيران اللي قصادنا في عمارة مصر الجديدة. الدور الرابع، الشقة اللي وش شقتنا بالمللي. الواد الرخم اللي من واحنا عيال وهوايته الوحيدة في الحياة يستفزني. فاكرة وانا في ابتدائي كنت عاملة ضفيرتين وماما حاطالي توك حمرا، يقابلني على السلم يقولي: “إيه يا سارة شعرك عامل زي عش العصافير؟ العصافير طارت ولا لسه؟” ولما كنت في إعدادي وشنطتي كبيرة عشان فيها كل كتب الدروس: “دي شنطة مدرسة ولا شنطة خضار يا سارة؟ هتطبخي بيها ايه النهاردة؟”

كبرنا ودخلنا الجامعة، هو دخل هندسة وأنا دخلت آداب إعلام، وهو لسه بارد ومستفز، وانا لسه شايلة منه. كنت لما أشوفه في المدخل أعمل نفسي مش شايفاه، وهو لازم يرمي كلمة. لحد ما جدو سامي مات. جدو اللي كان روحي، اللي رباني بعد ما بابا سافر، اللي كان كل يوم الصبح يقولي “صباح نور عيني انتي”. اللي كان يقعدني جنبه في البلكونة ويحكيلي عن أم كلثوم وعن شغله زمان. اللي لما كنت أعيط يطبطب عليا ويقولي “الدموع دي غالية يا ست البنات”.

يوم ما مـ,ـات حسيت البيت فضي، والبلكونة فضيت. يوم فتح الوصية، كنا قاعدين كلنا عند المحامي. ريحة الورق القديم، وصوت التكييف، وماما ماسكة إيدي جامد، وخالي ومرات خالي قاعدين بيسمعوا. كله طبيعي… الشقة لماما، المحل لخالي، حساب البنك متقسم.. لحد ما المحامي كح، قلع نضارته وقال الجملة اللي خلت وداني تصفر: “المرحوم الحاج سامي كاتب بند إضافي بخط إيده… إن نصيب الآنسة سارة من الميراث، اللي هو الشقة الصغيرة اللي في الزمالك وحسابها الخاص في البنك، مش هتستلمه إلا في حالة واحدة… إنها تتجوز الأستاذ زين كريم عبد الله، جارهم في الشقة المقابلة، خلال سنة من تاريخ الوفاة.”

تنحت. الدنيا لفت بيا. صرخت: “أكيد في غلطة! جدو مستحيل يعمل فيا كده! ده كان بيقوله يا واد يا رخم بطل تغلس على سارة!” المحامي وراني الورقة. نفس خط جدو المعوج اللي كنت حافظاه من كروت أعياد ميلادي. والإمضاء إمضته. طلعت من المكتب شايطة، دموعي على خدي، لقيته واقف على باب شقتهم، لابس تيشيرت أسود وماسك مج قهوة، بضحكته الباردة إياها وقال: “إيه يا عروسة؟ سمعت إننا هنبقى عيلة قريب ولا إيه؟ ألف مبروك يا مدام زين مقدماً.”

قلتله وأنا بترعش من الغضب: “في أحلامك. أمـ,ـوت ولا أتجوزك انت فاهم؟ انت آخر واحد في الدنيا ممكن أفكر فيه.” ضحك وقال: “يا ساتر.” دخلت شقتنا ورزعت الباب. وفاكرة إن الموضوع خلص وإني هرفض وهسيب الميراث. بس الفضول كان بياكلني… ليه؟ ليه جدو يختار زين بالذات؟ ده كان أكتر واحد بيقوله “سيب البت في حالها يا زين”. ليه يعمل فيا كده؟ بقيت أراقبه غصب عني.

أشوفه وهو نازل الصبح بدري الجيم، شعره لسه مبلول، وماسك إزازة الماية. أشوفه وهو راجع بالليل متأخر، يحط كيس زبـ,ـالة طنط اللي في التاني جارتنا الست الكبيرة من غير ما يقول. أشوفه في البلكونة بيصور بالموبايل السما وقت المغرب ويفضل ساكت ييجي ساعة. في يوم كنت قاعدة بذاكر في البلكونة والدنيا كانت بتشتي خفيف، لقيته طالع بلكونتهم وقال: “على فكرة، القهوة في المطر ليها طعم تاني. جدك كان بيقولي كده.”

استغربت إنه فاكر كلام جدو. قلتله ببرود: “وانت من امتى بتشرب قهوة؟ مش كنت بتشرب شاي بلبن؟” قال: “كنت. جدك علمني أشربها سادة، على نار هادية.” وسكتنا. أول مرة نسكت من غير ما نتخـ,ـانق. وصوت المطر كان عالي. ويوم تاني الأسانسير عطل وأنا جواه. كنت راجعة من الجامعة وتعبانة، ودست الرابع، النور قطع والاسانسير اتهبد ووقف بين التالت والرابع. قلبي وقع في رجلي. عندي فوبيا من الأماكن المقفولة. بدأت أخبط وأعيط وأقول “يا ماما، حد يلحقني”.

تليفوني مش بيجمع. وفجأة سمعت صوت خبط على الباب من برا وصوت زين بينادي: “سارة! انتي جوا؟ سارة متخـ,ـافيش انا معاكي، سامعاني؟” فضلت أعيط وأقول: “خرجني يا زين أبـ,ـوس إيدك، أنا مش قادرة آخد نفسي.” قال بصوت هادي أوي، أول مرة أسمعه هادي كده: “خدي نفس معايا، يلا.. واحد، اتنين، تلاتة.. أنا قاعد على الأرض جنب الباب، مش همشي. والله ما همشي. اتكلمي معايا، احكيلي أي حاجة.” فضلت أحكيله وأنا بعيط إني خايفة، وهو يرد يقولي “أنا هنا، شايف؟ صوتي معاكي أهو”.

وبعد كام ثانية طويلة، الأسانسير اتهز واشتغل. أول ما الباب اتفتح لقيت زين قاعد فعلا على الأرض، شعره واقع على وشه، وعرقان، وفي عيونه خوف حقيقي عليا.. خوف عمري ما شفته في عينه. أول ما شافني قام بسرعة وحاول يداري الخوف ده وضحك وقال: “إيه يا عش العصافير، هتفضلي عايشة في الأسانسير ولا ايه؟ ده حتى الأسانسير اشتكى منك.” اتغظت منه كالعادة ومشيت، بس قلبي كان بيدق جامد. مش من الخوف، من نظرة عينه اللي شفتها قبل ما يلبس قناع البرود تاني.

في نفس اليوم بالليل، ماما تعبت فجأة. ضغطها علي ووقعت مني في المطبخ. كنت لوحدي، وخالي تليفونه مقفول كالعادة. جريت خبطت على أول باب، بابه هو. فتحلي وهو لابس ترنج بيتي، وشاف وشي قال: “مالك؟” قلتله وانا بترعش: “ماما.. ماما أغم عليها.” من غير ولا كلمة لبس كوتشي ونزل شالها معايا، هو اللي طلب الإسعاف، وهو اللي جري بيا على المستشفى، وفضل معانا في الطوارئ للفجر. وانا قاعدة على الكرسي الحديد وراسي هتقع من التعب، جابلي كرسي تاني وقال: “سندي هنا، نامي خمس دقايق، أنا صاحي جنبها.”

ولما ماما فاقت وقالوا هتبات الليلة دي، قالي: “روحي انتي ارتاحي، وانا هفضل معاها. متقلقيش.” قلتله: “لا مش هسيبها.” سكت وجابلي من الكافتيريا شاي بلبن وقال: “اشربي، ايدك ساقعة.” تاني يوم الصبح رجعنا. دخلت عنده عشان آخد منه الدوا بتاع ماما اللي كان نسيه في عربيته. ودخلت شقته… ولقيت شقته غير اللي كنت متخيلاها خالص.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى