الجزء الثاني والأخير: لحظة الحساب وانكشاف الأقنعة اتسمرت حماتي مكانها، الدـ,ـم هرب من وشها تماماً، وبقت تبص ليونس وللموبايل اللي في إيده وهي مش قادرة تنطق. الشـ,ـفايف اللي كانت بتكر شتـ,ـايم وتهم من شوية، بقت بترتعش ومش عارفة تطلع كلمة واحدة صح. يونس كان واقف قدامها زي الجبل، بس جبل مكسور من الجواه. عينيه كانت مليانة دموع محبوسة، نابعة من قهر الرجولة إنه كان هيظلم مراته وأم بنته بسبب أقرب الناس ليه.
حاولت حماتي في لحظة استماتة أخيرة إنها تلف وتدور، رفعت إيدها وهي بتترعش وقالت بصوت متهدج: “يـ.. يونس! أنت هتصدق لعب العيال ده؟ دي.. دي البت عاملة فوتوشوب ومظبطة الفيديو علشان تتطلعني أنا اللي وحشة! أنت تصدق في أمك كده يا يونس؟” هنا يونس ضحك.. ضحكة مكسـ,ـورة، مليانة وجع واستحـ,ـقار للموقف. مسك الموبايل ورفعه في وشها وقرب الصوت على الآخر: “فوتوشوب يا أمي؟! الفوتوشوب هو اللي هيخليكي تتسحبي زي الحـ,ـرامية في بيتي؟ الصوت اللي بيشتم مراتي وبنتي وبيقول عليهم بيئة وحرامية ده صوت مين؟ صوت الجيران؟!”
البيت كله كان ساكت، الصوت الوحيد اللي كان مسموع هو صوت الفيديو اللي شغال من الموبايل، وصوت نَفَس يونس العالي وهو بيحاول يسيطر على أعصابه علشان ما يغلطش في أمه. أنا كنت واقفة في ركن الأوضة، حاطة إيدي على بؤي والدموع نازلة من عيني، بس المرة دي مش دموع قهـ,ـر.. دي كانت دموع الفرج، دموع إن ربنا أظهر حقي قدام جوزي اللي بعشقه، واللي كان على وشك إنه يهد بيتنا بإيده.
مكة كانت حـ,ـاضناني من ظهري، ماسكة في دراعي بقوة وكأنها بتقولي: “خلاص يا ماما.. الحقيقة ظهرت.” يونس لف بوشه وراحه ناحيتي.. خطواته كانت تقيلة جداً. قرب مني، وبص في عيني.. النظرة دي عمري ما هنسى شكلها. نظرة رجُل حاسس بالذنب، حاسس إنه كان هيرمي جوهرته في التراب عشان يعجب غيرها. رفع إيده اللي كانت متشـ,ـنجة من العصبية، وبدل ما تترفع عليا زي ما كان هيحصل من شوية، مسح بيها الدموع اللي على خدي بنعومة وآسف، وقال بنبرة صوت مكسورة وهادية جداً:
“سامحيني يا حور.. سامحيني يا بنت الأصول. أنا كنت هرتكب أكبر ذنب في حياتي بسبب عمايا. سكوتك زمان ما كانش إقرار بالذنب.. سكوتك كان أصل وطيبة، وأنا اللي ما عرفتش أقيم النعمة.” حطيت إيدي على إيده وهزيت رأسي وأنا مش قادرة أتكلم، بس عينيا كانت بتقول له إن الحب اللي بيننا غفر له صدمة اللحظة. وفجأة، يونس لف لأمه. هدوءه المفاجئ ده كان أرعب من عصبيته. قرب من شنطتها اللي كانت محطوطة على الكنبة، مسكها بإيد واحدة، وفتح باب الشقة على آخره.
حماتي وقفت تتنطط مكانها وزعقت: “أنت بتعمل إيه يا يونس؟! أنت هترميني برة علشان حتة بت؟ بتبع أمك اللي ربتك وشيلتك؟” رد عليها يونس بنبرة حاسمة وصارمة، نبرة رجل أخذ قراره خلاص ومش هيرجع فيه: “أنا ما ببيعش أمي يا أمي.. أنتِ اللي بعتيني! بعتي بيتي وراحتي وكرامة بنتي ومراتي علشان غل مش فاهم سببه إيه! اللي تحط الدهب في شنطة مراتي عشان تتهمني بالسـ,ـرقة، واللي تحط الفلوس في دولابي عشان تخـ,ـرب بيتي وتهد عيلتي.. دي مش خايفة عليا، دي جاية تهدني.”
مسك شنطتها وحطها برة الباب، وبص لها بثبات وقال: “مكانتك يا أمي فوق رأسي، وأمي على العين والرأس، ومصاريفك ورعايتك وكل حاجة تخصك هتجيلك لحد عندك وأنا اللي هاجي أزورك واستسمحك كل فترة.. لكن دخولك بيتي تاني؟ لأ! بيتي ده ليه حرمة، ومراتي دي شـ,ـرفي وصاياني ربنا بيها، ومش هسمح لأي مخلوق في الدنيا، حتى لو كان أنتِ يا أمي، إنه يكسرها أو يظلمها تاني تحت سقف بيتي.”
حماتي كانت مش مصدقة إن يونس -اللي كان بيمشي ورا كلامها ومغمض عينيه- واقف الوقفة دي. حاولت تبكي وتعمل المظلومية المعتادة، بس الشاشة اللي في إيد يونس كانت قاطعة أي شك. خرجت وهي بتجر أذيال الخيبة والكسرة، والباب اتقفل وراها. ساد الهدوء في الشقة.. هدوء عجيب بعد العاصفة. يونس نزل على ركبه قدام مكة، أخدها في حضنه ودموعه نزلت على كتفها: “أنتِ أنقذتي بيتنا يا مكة.. أنتِ بطلة النهاردة يا بنتي.”
بصلي يونس وأنا واقفة، قام وقرب مني، وأخدنا احنا الاتنين في حضنه. في اللحظة دي، حسيت إن الوجع اللي عشته والظلم اللي تحمّلته انتهى للأبد، وإن سكوتي ما راحش هدر، لأن ربنا سخر لي بنتي الصغيرة تكون هي سبب نجاة بيتنا. ومن اليوم ده.. رجع الهدوء لبيتنا، ويونس اتعلم الدرس الأكبر في حياته: إن الحب مش بس كلام.. الحب مواقف، وحماية، وعدل حتى لو قدام أقرب الناس. 💡 المغزى من القصة:
الحق لا يضيع: حتى لو استمر الباطل فترة، ربنا بيسخر أبسط الأسباب (مثل تصوير مكة) عشان يظهر الحق. الحدود في العلاقات: احترام الأهل واجب، لكن حماية البيت والزوجة من الظلم الصريح فرض على كل رجل صاحب شخصية وقوامة.