دفعتِ الماء بكل ما أوتيتِ من قوة، وسحبتِ كريم من يده بعنف قبل أن تلمس أصابعه ذلك الكيان المرعب. في تلك اللحظة، اتسعت ابتسامة المخلوق الأزرق، وانطلق منه صوت تحت الماء يشبه صفير الرياح العاتية في ليلة شتوية مظلمة، صوت لم تسمعيه بأذنيكِ بل شعرتِ به يتردد داخل جمجمتكِ: “سيعود… إنه لي!”
انقطع النَفَس في صدركِ، وسحبتِ كريم الذي كان جسده يرتجف ويهتز كأنه يستيقظ من كابوس عميق. سبحتِ به نحو السطح بأعجوبة، وجسدكِ يستهلك آخر قطرات الأكسجين. بمجرد أن ركضتِ به نحو الشاطئ، انهار كريم تماماً وأغمي عليه كما كان يحدث في كل مرة، لكن هذه المرة، كنتِ أنتِ أيضاً تصرخين وتبكين بهستيريا، وجارتكِ تحاول تهدئتكِ وسط ذهول الأطفال. عدتم إلى البيت، واستيقظ كريم بعد ساعات. جلس على السرير مطأطأ الرأس، والدموع تنهمر من عينيه، وعرف من نظراتكِ المتصلبة أن السر قد كُشف.
قال بصوت متحشرج: “أنا مكنتش عايز رجلي تلمس الميه تاني يا منى… بس هو اللي كان بيناديني. من أول يوم غطست فيه وشفته، وصوته مش بيفارق دماغي. يصحيني من النوم، يوشوشلي وأنا باكل، يقولي تعالي وإلا هاجي أخد عيالك من ح.ضنك! كنت بروح عشان أحميكم، كنت بروح وأنا مرعوب بس مغلوب على أمري.” أدركتِ أن الاستسلام يعني خسارة كريم للأبد، وأن البحر الذي كان مصدر بهجتكم تحول إلى سجن يستدرج زوجكِ. قررتِ ألا تجلسي مكتوفة الأيدي. في اليوم التالي، توجهتِ إلى أقدم صيادي الإسكندرية، شيخ الصيادين في منطقة الأنفوشي، رجل عجوز خطت التجاعيد وجهه يُدعى “عم مجاهد”.
حكيتِ له ما رأيتِ وسط دموعكِ، ف تغيرت ملامح عم مجاهد تماماً، وساد الصمت في غرفته المليئة بشباك الصيد القديمة. أخذ نفساً عميقاً وقال بصوت خفيض: “ده مش جن بحر عادي يا بنتي… ده اللي الصيادين القدام بيمسوه ‘الندّاه الأزرق’. صخرة المو.ت دي كانت مكان غرق سفينة من مئات السنين، والمخلوق ده بيتغذى على أرواح السباحين المهرة. لما بيعلم على صياد أو سباح حريف، مبيسيبوش إلا لما يخليه يغرق بكامل إرادته.”
سألتيه برعب: “طب والعمل يا عم مجاهد؟ جوزي بيضيع!” أخرج العجوز قلادة فضية قديمة منقوش عليها رموز غريبة، وأعطاكِ زجاجة صغيرة بها سائل داكن مالح، وقال: “الندّاه بيمد خيوطه في عقل كريم. المرة الجاية لما يطلب يروح البحر، مش هتمنعيه، بس هتربطي القلادة دي في رقبتك، وتدهني جبهة كريم ومياه غسيل وجهه بالسائل ده قبل ما ينزل بليلة. السائل ده هيحجب صوت المخلوق عن عقله مؤقتاً. ولما ينزل الميه، لازم تنزلي وراه، ومعاكي سكين فضي.. وتض.ربي بيه الصخرة نفسها مش المخلوق، الصخرة هي رابط السحر بتاعه في المكان ده. لو اتكسر جزء منها، هيفك أسره.”
مرت يومين، وعادت النوبة لكريم. قام فجأة وعيناه شاخصتان وقال بآلية: “لازم أروح البحر حالا.. هو مستني.” نفذتِ خطة عم مجاهد بدقة. دهنتِ جبهته بالسائل، وارتديتِ القلادة الفضية، وذهبتِ معه ومعكم جارتكم للأولاد. نزل كريم الميه، لكن هذه المرة كانت حركته أبطأ، كأن هناك غشاوة بدأت تتبدد عن عقله. نزلتِ وراه مباشرة، والسكين الفضي مخبأ في ملابس الغوص. لحقتِ به عند الصخرة. كان المخلوق الأزرق هناك، يمد يديه الطويلتين ذوات الأظافر الحادة نحو كريم، وابتسامته كادت تشق وجهه من الفرحة باقتراب صيده الثمين. كريم كان يقاوم، يتأرجح في الماء، يمد يده ثم يسحبها، السائل بدأ يفعله مفعوله وجعل عقله يستيقظ!
عندما رأى المخلوق أنكِ اقتربتِ، تحولت ملامحه من الابتسامة الخبيثة إلى غضب عارم. جحظت عيناه الفسفوريتان وتحركت مياه البحر بعنف شديد، كأنها دوامة صغيرة تحاول دفعكِ بعيداً. تمسكتِ بالصخرة بكل قوتكِ، وشعرتِ بالقلادة الفضية تسخن على صدركِ وكأنها تحميكِ من طاقته المرعبة. استجمعتِ كل شجاعتكِ، وسحبتِ السكين الفضي، وبكل ما تملكين من قوة، ض.ربتِ زاوية الصخرة الضخمة.
انطلق شرار غريب تحت الماء مع ارتطام الفضة بالصخر، وتصدع جزء كبير منها. في تلك اللحظة، أطلق المخلوق صرخة صامتة مرعبة جعلت الأسماك من حولكم تهرب في كل اتجاه، وبدأ جسده الأزرق يتلاشى ويتحول إلى حبر أسود كثيف تذوبه مياه البحر وتأخذه التيارات بعيداً. أمسكتِ بكريم، الذي انهمرت دموعه تحت الماء وهو ينظر إليكِ بعينين عاديتين مليئتين بالامتنان الحقيقي، لقد عاد كريم زوجكِ، وانكسر القيد! صعدتما معاً إلى السطح، وتنفستما الهواء النقي وكأنكما تولدان من جديد. ارتمى كريم في ح.ضنكِ على الشاطئ وهو يبكي من الفرحة ويقول: “الصوت اختفى يا منى.. اختفى تماماً!”
منذ ذلك اليوم، عاد بيتنا البسيط في الإسكندرية ليمتلئ بالضحك، ورغم أننا استغرقنا شهوراً طويلة قبل أن نجرؤ على النظر إلى البحر مجدداً، إلا أننا تعلمت أن الحب والشجاعة يمكنهما كسر أعتى أنواع السحر والغموض التي تخبئها أعماق البحار.