وبضحك مع الجيران. لحد مساء الخميس. سمعته بيتكلم تاني. كان واقف في الجنينة الخلفية، وبيتكلم في الموبايل. قال: “أنا سيبتها تكمل كتابة.” وسكت شوية. “كان لازم يبقى عندها حاجة تشغلها، حاجة ملهاش أي ضرر.” وسكت تاني. “هي عمرها ما عرفت مين اللي كان بيدير الفلوس بجد.” الجملة دي فضلت ترن في ودني طول الليل. الموضوع مكانش مجرد كدب. كان احتقار. صباح السبت، كريم عمل أول غلطة حقيقية أشوفها منه طول حياتي.
ساب موبايله على ترابيزة السفرة، وراح يفتح الباب لعامل التوصيل. الشاشة كانت لسه مفتوحة. مسكته. وأول محادثة شدت انتباهي كانت دي: كل حاجة جاهزة. فاضل إنها تمضي بس. تمام… خلي الورق كله متدبس مع بعض. هي عمرها ما بتقرأ الأوراق القانونية. انقلوا الممتلكات بعد التوثيق. بقالها سنين بتنفذ أي تعليمات من غير ما تناقش. قبل ما كريم يرجع من الباب… كنت رجعت الموبايل مكانه بالظبط. ولا شك لحظة إني شفته.
بعد الضهر، وهو نازل يلعب جولف مع أصحابه، فتحت دولابه. ورا صف البدل الغالية… كان فيه صندوق صغير رمادي مقفول. والمفتاح. المفتاح اللي كان دايمًا في سلسلة مفاتيحه الشخصية، سابه المرة دي في جيب البدلة الكحلي اللي كواها يوم الثلاثاء. إيدي كانت بترتعش وأنا بحط المفتاح في القفل. تكة صغيرة، والصندوق اتفتح. جوا الصندوق مكنش فيه فلوس. كان فيه ملفات زرقاء مكتوب عليها “تنازل عام وشامل عن الممتلكات والوجاهة الأدبية”.
فتحت الملف. الصدمة لجمتني. كريم مكنش بس بيسرق فلوسي القديمة، كريم كان بيجهز لخطوة تنهي حياتي القانونية تمامًا. الورق ده لو مضيت عليه، بيبعله كل حقوق رواياتي الجاية، وبينازل باسمي عن نصيبي في البيت، وفي الأرض اللي ورثتها عن أبويا، وبيخليني أقر إني استلمت كل مستحقاتي المالية منه على مدار الاتنين وتلاتين سنة اللي فاتوا. والأخطر من كده، كان فيه تقرير طبي مزور مختوم من مستشفى نفسي، بيفيد إني بعاني من حالة تدهور عقلي مبكر، والورقة اللي مفروض أمضي عليها بتعينه وصي قانوني كامل عليا وعلى تصرفاتي.
فجأة كل حاجة نورت في دماغي. “أول ما تمضي، كل حاجة هتخلص”. مكنش قصده طلاق، ولا قصده يسرق ويمشي… كان قصده يمحيني. يحبسني جوه عقلي وجوه البيت ده بموجب القانون، وياخد هو كل شقا عمري ويفضل يعيش بيه الوجاهة اللي صنعها بفلوسي. قعدت على الأرض والملفات في حضني. الدموع اللي حبستها أيام نزلت، بس مكنتش دموع ضعف… كانت دموع غضب بيحرق كل ذرة ثقة كانت جوايا للراجل ده. افتكرت جملته: “هي اللي عودت نفسها.”
ساعتها حسمت أمري. لو كنت أنا اللي عودت نفسي على الثقة العمياء، فأنا اللي هعلم نفسي إزاي أرد القلم اتنين. هو فاكرني كاتبة روايات بتألف قصص للتسلية بس؟ نسى إن الكاتب هو اللي بيحرك الخيوط، وهو اللي بيحدد النهاية. رجعت كل حاجة مكانها بالظبط. قفلت الصندوق، رجعت المفتاح جيب البدلة، وقفلت الدولاب. أول حاجة عملتها، كلمت “عمر”. عمر هو المحاميبتاع دار النشر اللي بتعامل معاها من 15 سنة، راجل عجوز وذكي ومخلص ليا جدًا ومش بيحب كريم من البداية.
حكيتله كل حاجة في مكالمة مشفرة من تليفون قديم كنت شايلاه للطوارئ. عمر سكت لثواني، وبعدين قالي بصوت حاسم: “يا مريم، كريم بيلعب لعبة خطيرة، بس الغرور عمّاه. هو فاكرك لسه الست اللي بتثق فيه عمياني. هنمشي معاه في اللعبة لحد الآخر، بس الورق اللي هتمضي عليه مش هيكون الورق بتاعه.” في خلال الـ 48 ساعة اللي بعدهم، اشتغلنا أنا وعمر في السر. عمر جهز ورق شبيه بالظبط بالورق اللي في الصندوق الرمادي من بره، نفس اللون، نفس التدبيس، ونفس الخط.. لكن المضمون كان العكس تمامًا.
الورق الجديد كان عبارة عن: إقرار من كريم ببيع كل حصصه في الشركات اللي عملها بفلوسي ليا أنا، وتنازل كامل منه عن الفيلا وعن حساباته البنكية الشخصية كتعويض عن سنوات إدارة أعمالي بدون وجه حق، وبند بيخليه يقر إنه مديون ليا بمبالغ ضخمة لو فكر يرفع عليا أي قضية. يوم الاثنين بالليل، كريم رجع البيت وكان هادي بزيادة. دخل المكتب، وسمعته بيفتح الصندوق الرمادي. بعد العشا، قعدنا نشرب الشاي. ملامحه كانت طبيعية لدرجة تخوف، الراجل ده ممثل عبقري.
طلع ملف من وراه، وحطه قدامي على الترابيزة بحنان مصطنع، وقال: “مريومة حبيبتي.. دي أوراق تجديد عقود الاستثمار المشترك اللي بنعملها كل كام سنة عشان الضرائب، ومحتاج إمضتك عليها عشان هسلمها للمحامي الصبح بدري.” بصيت للورق. كان هو. الملف الأزرق المتدبس بعناية. ابتسمتله بأهدى ابتسامة عندي وقلت: “من عيوني يا حبيبي، بس ثواني هجيب نظارة القراءة من الأوضة جوه عشان مش شايفة السطور كويس.” دخلت الأوضة، وبمنتهى السرعة والهدوء، طلعت الملف المتطابق اللي عمر جهزهولي، وحطيته في الروب، ورجعت.
وقفت في المطبخ لثواني بحجة إني بجيب ميه، وشيلت الملف الأصلي وحطيت مكانه الملف المزور اللي هيوقعه هو في فخ نفسه. رجعت قعدت قدامه. حطيت الملف على الترابيزة. كريم مدلي القلم وقال بلهفة حاول يدرايها: “امضي هنا.. وهنا.. وهنا يا حبيبتي.” مسكت القلم، وبصيت في عينه.. للحظة افتكرت السلسلة الألماس، وافتكرت الـ 32 سنة اللي ضاعوا مع سراب. مضيت. تلات مرات. أول ما خلصت، أخد الملف مني بسرعة وكأنه لقى كنز، وعينه لمعت بانتصار شرير ملقطتوش غير لأني كنت مراقباه بكل جوارحي.
قال وهو بيقوم بسرعة: “أنا هانزل أوديهم في الخزنة بتاعة المكتب عشان منساهمش الصبح.” “تمام يا حبيبي.. تصبح على خير.” قلتها وأنا بقوم أمشي برصانة لأوضة النوم.