منوعات

صحيت الساعة ٢الفجر

الصبح، كريم صحي بدري جدًا، لبس ونزل وهو في قمة سعادته، باسني وقالي: “النهاردة يوم طويل ومهم في الشغل.” أول ما مشي، أنا كمان لبست. بس مكنتش لوحدي. عمر المحامي كان مستنيني تحت البيت مع ا وبناءً على العقد الجديد اللي هو وقّع عليه بنفسه وهو مش داريان، العقد اللي نقض غزل اتنين وتلاتين سنة من المكر في لحظة غباء وغرور.

قبل ما نتحرك على بره، لفيت وبصيت للبيت للمرة الأخيرة. البيت اللي عشت فيه أكتر من نص عمري وأنا فاكرة إني ملكة جواه، بينما كنت في الحقيقة مجرد دجاجة بتبيض له دهب، ومحبوسة في قفص من الأوهام. قفلت الباب ورايا، والمرة دي، مكنش فيه أي خوف. كان فيه برود مرعب لفّ قلبي. الفصل الأول: شباك الصياد الخطة كانت دقيقة ومحسوبة بالثانية. كريم مكنش رايح المكتب العادي بتاعه؛ كريم كان رايح يقابل الراجل التاني اللي كان معاه في المكتب الفجر، واللّي عرفت من تليفونه إنه محامي متخصص في قضايا الحجر وتأسيس الشركات الوهمية، اسمه “مدحت”.

ركبت عربية عمر، وطول الطريق مكنش فيه صوت غير أنفاسنا وصوت الإشارات اللاسلكية بتاعة أفراد الشرطة اللي معانا. عمر بصلي في المراية وقال بصوت واطي: “مريم.. إنتي جاهزة للمواجهة؟ كريم مش هيستسلم بسهولة، وأول ما يكتشف الملعوب هيتحول لوحش.” بصيت من الشباك وقلت بثبات غريب عليا: “الوحش هو اللي بيستغفل ست أمنّت له اتنين وتلاتين سنة يا عمر. كريم مات بالنسبة لي من ليلة الثلاثاء.. اللي هقابله النهاردة ده مجرد خصم، وأنا متعودة في رواياتي إني دايما بكتب النهاية اللي يستحقها الشرير.”

وصلنا قدام مبنى الشركات الفخم في التجمع الخامس. كريم كان مأجر مكتب هناك باسم شركة استشارات وهمية، وهي دي الشركة اللي كانت بتبلع فلوس رواياتي وتعب سنيني. نزلت القوة معايا، ودخلنا المبنى. السكرتيرة اتخضت لما شافت الشرطة وعمر والمستندات في إيدنا. حاولت تمنعنا أو تطلب كريم في التليفون الداخلي، بس عمر كان أسرع وحط قدامها أمر النيابة: “ولا حركة.. ولا صوت.” مشيت في الطرقة الطويلة اللي مؤدية لمكتبه الرئيسي. نفس المشية اللي مشيتها على أطراف صوابعي الفجر، بس المرة دي كعبي كان بيرن في الأرض بقوة وثقة.

وقفت قدام الباب الخشب الكبير. وسمعت صوته من جوه.. كان بيضحك نفس الضحكة الخفيفة المقززة. كان بيقول لمدحت: “خلاص يا سيدي، الورق ممضي ومختوم وجاهز. الست دلوقتي نايمة في البيت، وفاكرة إني بطل حياتها، وهي متعرفش إنها من الصبح ده مبقاش حيلتها لضم الإبرة. افتح الحساب الجديد في سويسرا وانقل كل الأصول.” في اللحظة دي، ممسكتش نفسي. زقيت الباب بكل قوتي لدرجة إنه خبط في الحيطة وعمل صوت رعد في الأوضة.

الفصل الثاني: سقوط الأقنعة كريم اتنفض من على كرسيه، تليفونه وقع من إيده، وملامحه اتبدلت في ثانية من قمة الانتصار لقمة الزهول. مدحت المحامي وقف وهو وشه جايب ألوان، وبص للشرطة اللي دخلت ورايا عل طول. كريم حاول يستجمع ثباته بسرعة، ورسم على وشه ابتسامة القلق المصطنعة اللي حفظتها: “مريم؟! إيه ده؟ في إيه؟ إنتي إيه اللي جابك هنا ومعاكي شرطة ليه؟ حصل إيه في البيت؟” قربت من مكتبه ببطء، سحبت الكرسي اللي قدامه وقعدت، وحطيت شنطتي على المكتب بمنتهى الهدوء. بصيت في عينه وقلت:

“البيت زي الفل يا كريم.. بس الأرشيف بتاعك هو اللي اتبهدل شوية.” عينه برقت، وحاول يبص لمدحت عشان يفهم. كملت كلامي: “الدرج الرابع يا كيمو.. الصندوق الرمادي.. البدلة الكحلي اللي سبت في جيبها المفتاح يوم الثلاثاء الفجر الساعة ٢:٠٣.. تحب أكملك ولا ذاكرتك خاينالك؟” الدم هرب من وشه تمامًا. بقا شبه الجثة. حاول يتكلم بس صوته طلع مخنوق: “إنتي.. إنتي دخلتي مكتبي؟” ضحكت بصوت عالي، ضحكة رنت في الأوضة وكسرت كل هيبته:

“دخلت مكتبك؟ أنا دخلت حياتك التانية يا كريم. وعرفت كل حاجة.. من أول السلسلة الألماس اللي بعتها عشان عمليتك الوهمية، لحد الشركات اللي باسمي وبتسرق عرق شقايا ورواياتي، لحد الملف الأزرق اللي كنت عايز تحجر عليا بيه وتتهمني بالجنون عشان تمحيني من الوجود!” مدحت المحامي اتقدم خطوة وقال بتعلثم: “يا مدام مريم.. الكلام ده ملوش أي أساس قانوني، المدام مضت بكامل إرادتها على عقود التنازل والشراكة والوصاية، والورق معايا هنا في الشنطة وموقع وموثق!”

عمر المحامي طلع قدام وابتسم بسخرية، وحط الملف التاني اللي كنا مجهزينه على المكتب: “قصدك الورق ده يا مدحت؟ معلش.. أصل المدام مريم كاتبة روائية ومؤلفة قصص تشويق، وبتعرف تعمل حبكة درامية تليق بمقامكم. الورق اللي معاكم في الشنطة ده ورق حوائط ملوش أي قيمة.. لأن مريم بدلت الملفات وهي بتجيب نظارة القراءة!” كريم فتح شنطته بسرعة جنونية، طلع الملف الأزرق اللي معاه، وبدأ يفر في الصفحات وعينه بتتحرك برعب. وشاف المفاجأة..

الكلام مكنش تنازل من مريم ليه.. الكلام كان إقرار وتنازل كامل وشامل من كريم لمريم عن كل الأصول والشركات والفيلا، كتعويض عن إدارة الأعمال، ومذيل بتوقيعه هو اللي وقعه من كتر الثقة والعمى وهو فاكر نفسه بيمضي على “نسخة تانية للتوثيق”. كريم صرخ وصوته اتهز وهو بيبص للورق: “دا تزوير! دا مش الورق بتاعي! أنتي لعبتي عليا يا مريم؟! اتنين وتلاتين سنة عايشة معايا وبتخدعيني؟!” الفصل الثالث: من يضحك أخيرًا

وقفت وربعت إيدي، وبصيتله من فوق لتحت بكل احتقار: “أنا مخدعتكش يا كريم.. أنا وثقت فيك، وإنت اللي استغليت الثقة دي. جملتك بتاعة الفجر لسه بتنخر في ودني: ‘أنا معودتهاش.. هي اللي عودت نفسها’.. إنت كنت شايف طيبتي وثقتي غباء، وكنت مستهون بيا لدرجة إنك مقريتش الورق اللي بتمضيه ورايا.. أصلك متعود إني بنفذ من غير ما أناقش!” الظابط اتقدم وحط الكلبشات في إيد مدحت المحامي، وبص لكريم وقال له:

“يا كريم بيه، إحنا معانا أمر من النيابة بالقبض عليك وبتفتيش المكان بناءً على بلاغ رسمي بتبديد أموال، وتزوير تقارير طبية، ونصب واحتيال. اتفضل معانا من غير شوشرة.” كريم كان بيبص للكلبشات وهي بتتفتح، وبصلي ونظرة عينه اتقلبت من الخوف للغل الشديد: “مش هسيبك يا مريم.. ههدم كل حاجة عملتيها.. الفلوس دي بتاعتي، أنا اللي كنت بدير وأنا اللي عملت كل ده!” قربت منه لحد ما بقيت على بعد سنتيمترات من وشه، وهمستله بنفس النبرة اللي همسلي بيها ليلة الثلاثاء وهو فاكرني نايمة:

“إنت معملتش حاجة يا كريم.. إنت كنت مجرد طفيل عايش على دمي وتعب فكري. الروايات دي بتاعتي، والجمهور بتاعي، والفلوس دي فلوسي.. إنت دلوقتي معندكش بيت ترجع له الساعة ستة، ومعندكش بدلة كحلي تكويها، ومعندكش زوجة مغفلة تصدقك. كل حاجة خلصت.. بس لصالحي أنا.” الخاتمة: حبر جديد عدت ست شهور على اليوم ده. المحكمة حكمت برفض كل الدفوع اللي قدمها كريم، والعقود اللي وقع عليها بنفسه وبكامل قواه العقلية قدام الكاميرات وبشهادة الشهود خلت كل ثروته اللي نهبها ترجع لمكانها الطبيعي.. ليا. كريم ومدحت دلوقتي بيقضوا عقوبة السجن بت

هم التزوير والنصب والاستيلاء على الأموال. أنا قاعدة دلوقتي في بلكونة شقة جديدة، بتبص على النيل، شقة مشمسة مفيهاش لوح خشب قديم بيصرخ تحت رجلي، ومفيهاش أسرار مستخبية في الدرج الرابع. قدامي فنجان القهوة بتاعي.. من غير كريمة خالص. وجنبي لابتوب مفتوح على صفحة بيضا، بكتب فيها أول سطور من روايتي الجديدة. الرواية دي مش هتكون خيال علمي ولا بوليسية درامية.. دي هتكون قصة ست فضلت واثقة اتنين وتلاتين سنة، ولما قررت تفتح عينها.. غيرت الحبكة، ومسكت القلم، وكتبت لنفسها بداية جديدة تمامًا.

قفلت اللابتوب، وبصيت للسما وابتسمت.. وأخيرًا، حسيت بدقات قلبي بانتظام وهدوء، دقات حرة، مفيش حد بيملكها غيري.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى