منوعات

طلعت مراته مش اخته

جمدتني الصدمة مكانت حركتي مشـ,ـلولة تماماً. بصيت لمحمود وهو بيتحرك في الأوضة ببرود مستفز، بيحط مفاتيحه ومحفظته على التسريحة كأنه راجع من مشوار عادي، مش كأنه لسه هادد حياتي. في اللحظة دي، الخوف اللي كان ماليني بدأ يتحول لحاجة تانية.. حرارة قوية بدأت تسري في عروقي، حرارة الغضب. قالي بنبرة آمرة: “أنا خارج أشم هوى بره خمس دقايق، أرجع ألاقيكي غيرتي وجمعتي نفسك.. مش عايز نكد في ليلتنا”. وقبل ما يستنى ردي، لف وخرج وقفل الباب وراه.

تكة قفل الباب كانت هي المفتاح اللي رجع لي عقلي. بصيت لنفسي في المراية.. الفستان الأبيض، الميك أب اللي بدأ يتمسح بدموعي، وشكل البنت المكسورة اللي مستسلمة لتهديده. قولت لنفسي: “لا.. أنا مش هكون الضحية اللي تتنازل عن كرامتها عشان خايفة من كلام الناس.. هو اللي لازم يخاف!”. أول حاجة عملتها، جريت على الباب وتأكدت إنه اتقفل بالمفتاح والترباس من جوه. جسمي كان لسه بيترعش، بس إيديا كانت ثابتة وهي بتمسك الموبايل. اتصلت بأخويا الكبير “أحمد”. أحمد مش مجرد أخ، ده سندنا بعد ربنا، وعاقل وبيوزن الأمور بذهب.

الخط فتح، وصوت أحمد جالي كله فرحة: “يا عروستنا! لحقنا نوحشك؟ مبروك يا حبيبتي، وصلتوا بالسلامة؟” دموعي خانتني ونزلت، وصوتي طلع مخنوق ومكتوم: “أحمد.. الحقني يا أحمد.. محمود طلع متجوز ومخلف تلات بنات، ومراته لسه نازلة من عندي من الشقة دلوقتي!”. الناحية التانية سادها صمت قـ,ـاتل لثوانٍ، ثوانٍ حسيتها دهر. بعدين صوت أحمد اتغير تماماً، تحول لصوت خشن ومرعب: “أنتي بتقولي إيه يا مريم؟ متجوز؟ والمأذون؟!” حكيت له في دقيقة كل اللي حصل، ووشوشة المأذون، وتهـ,ـديد محمود ليا بشرفي وأخواتي البنات لو فتحت بوقي.

أحمد قالي بكلمات قاطعة وزي الرصـ,ـاص: “اقفلي الباب عليكي بالمفتاح. متفتحيش لمحمود لو انطبقت السما على الأرض. خمس دقايق وهكون عندك أنا وبابا وعمامك.. محمود اشترى فضيحته بإيده”. قفلت مع أحمد، وحسيت بنص حمل انزاح عن كتفي، بس النص التاني كان لسه مرعب. بره في الصالة، سمعت صوت حركة.. محمود رجع. قرب من الباب وحاول يفتحه، لما لقاه مقفول، خبط خبطات منتظمة وقوية: “مريم! افتحي الباب.. بلاش حركات عيال، أنا مابحبش الأسلوب ده”.

وقفت ورا الباب مباشرة، وحاولت أخلي صوتي قوي وثابت على قد ما أقدر: “مش هفتح يا محمود.. وأنا كلمت أهلي وزمانهم على وصول”. الصوت الطيب الحنين اللي سحرني بيه شهور فاتوا اختفى تماماً، وظهر مكانه صوت وحش حقيقي. خبط على الباب بقوة هزت الحيطة وزعق: “أنتي اتجننتي؟! كلمتي أهلك تقوليلهم إيه؟ فضحتِ نفسك وفضحتِ أخواتك؟ افتحي الباب ده فوراً بدل ما أكسره وأعرفك مقَامك!”. في اللحظة دي، سمعت صوت حركة سريعة بره الشقة، وصوت خناقة بدأ يعلو في الممر. أمه ومنار مراته الأولى طلعوا على الصوت.

سمعت صوت منار وهي بتقول بشماتة وتريقة: “جرى إيه يا سِيد الرجالة؟ العروسة قفلت في وشك الباب من أول ليلة؟ مش قولتلك الفلاحين مالهمش في عز البندر؟!”. محمود زعق فيها: “اخرسي يا منار وانزلي شقتك دلوقتي!”. وفجأة.. الباب الخارجي للشقة اتخبط بعنف شديد، وصوت أحمد أخويا زلزل المكان: “افتح يا محمود! افتح يا غشاش يا كداب!”. محمود اتصدم، مكنش متخيل إن أهلي هيوصلوا بالسرعة دي، ولا إنهم هياخدوا رد فعل عنيف علطول. سمعت محمود بيفتح الباب الخارجي وبيرحب بيهم بتوتر: “أهلاً يا عمي، أهلاً يا أحمد.. خير في إيه جايين في وقت زي ده ليه؟ مريم جوه بتغير هدومها”.

صوت بابا، اللي عمري ما سمعته حاد بالشكل ده، رد عليه: “مريم بنتي متتسابش مع واحد زيك ولا دقيقة.. فين المأذون اللي اتفقت معاه يزور قسيمة الجواز وميتكتبش فيها إنك متجوز؟!”. محمود حاول يلف ويدور: “يا جماعة صَلّوا على النبي، ده شرع ربنا، وأنا متجوزتش في الحـ,ـرام، ومريم في بيتي ومصونة..”. أحمد قاطعه بضـ,ـربة قوية على التربيزة: “شرع ربنا مبينزلش بالكدب والتـ,ـزوير يا محمود! شرع ربنا ميهددش بنات الناس في شرفهم ليلة فرحهم! افتحي يا مريم!”.

جريت بسرعة، فتحت المفتاح والترباس، وفتحت الباب. أول ما شفت بابا وأحمد، رميت نفسي في حـ,ـضن بابا وأنا بنهار من البكاء. بابا ضمّني بقوة وبص لمحمود بنظرة كلها احتقار وقرف. منار وأمه كانوا واقفين يتفرجوا. أحمد بص لمحمود وقاله: “شنطة مريم وحاجتها هتاخدها دلوقتي، والدهب اللي أنت جيبته أهو..” (أحمد رمى علبة الدهب على السرير). “وبكرة الصبح، قسيمة الجواز دي هتروح للنيابة، والمأذون وصاحبك اللي زور معاك هيتجابوا من قفاهم، وقضية الخلع أو الطلاق للضرر هترفع بكرة الصبح”.

محمود وشه اسودّ وبدأ صوته يترعش بعد ما حس إن كل كروته اتكشفت، وإن التهديد اللي هددني بيه انقلب عليه. حاول يلعب آخر كارت: “يا عمي فكر في سمعة بنتك! الناس هتقول إيه لما تخرج بفستان فرحها ليلة الدخلة وترجع بيت أبوها؟! كلام الناس مش هيرحمها!”. بابا وقف بكل شموخ وقاله كلمة عمري ما هنساها: “بنتي تخرج بفستانها الأبيض مرفوعة الرأس، والناس كلها تعرف إنها سابتك لأنك مش راجل، ومتسواش. كلام الناس يدوسه مداسي، لكن كرامة بنتي وشـ,ـرفها فوق رأسك وفوق رأس عيلتك كلها. يلا يا مريم”.

التفتت لمحمود وبصيت له لآخر مرة، مكنتش شايفه الراجل اللي حبيته، كنت شايفه قزم وصغير جداً. بصيت لمنار وقولتلها: “مبروك عليكي يا حبيبتي.. مبروك عليكي راجل بيمشي بالكدب والتزوير.. خليهولك يربيلك بناتك!”. خرجت من الشقة، ماسكة في إيد بابا وأخويا، نزلت السلم وفستاني الأبيض بيجر ورايا، بس المرة دي مكنش كفن لكرامتي.. كان كفن للغفلة اللي كنت عايشة فيها، وشهادة ميلاد جديدة لبنت عرفت تختار كرامتها فوق أي خوف. الشارع كان هسس، والناس اللي شافتني وأنا خارجة بدأت تتهامس، بس نظرة أحمد وبابا حواليا كانت زي درع فولاذي مبيخترقوش أي كلام. ركبت العربية ورأسي مرفوع.

تاني يوم، المحامي بتاعنا بدأ الإجراءات، والمفاجأة إن المأذون لما عرف إن فيه قضية تـ,ـزوير وجـ,ـناية، اعترف على محمود فوراً وأثبت إن محمود قدم له بطاقة شخصية قديمة مفيهاش اسم الزوجة الأولى، ودفع له مبلغ عشان “يمشي الليلة” بدون شوشرة. محمود اتقبض عليه بتهمة التـ,ـزوير في أوراق رسمية، وبدل ما يقضي شهر العسل، قضاها في التحقيقات.

أنا خسرت شهور من عمري مع شخص مخادع، بس كسبت نفسي، وكسبت درس عمري ما هنساه: إن اللي بيحبك بجد، بيجي في النور، ومبيخبيش عليك حياته، ومبيستخدمش نقط ضعفك عشان يكسرك. كرامتي رجعتلي، وضحكتي بدأت ترجع من تاني، وأنا وسط أهلي.. السند الحقيقي اللي مبيتغيرش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى