وقفت مكاني، سامعة ضـ,ـربات قلبي بتدق في وداني زي أطبول الحـ,ـرب. الدموع اللي كانت محبوسة في عيني اتجمدت، والحرارة اللي كانت حرقاني من جوة تحولت فجأة لبرود تام.. البرود اللي بييجي بعد ما كل حاجة تتكسر وما يتبقاش حاجة خايفة عليها. بصيت لمراته الجديدة وهي بتضحك من تحت لتحت، وحامد وشه في الأرض تحت رجليها، ومحدش فيهم متخيل إن السكوت اللي أنا فيه ده مش سكوت انكسـ,ـار.. ده السكوت اللي بيسبق العاصفة.
أسماء، أخت حامد، خرجت من المطبخ وهي ماسكة صينية العصير، ولما شافت المشهد – أخوها نازل على ركبته بيقلع مراته الثانية الجزمة والزوجة بتبصلي بانتصار – الصينية اترجت في إيدها، وبصتلي بعيون كلها شفقة وإحراج. في اللحظة دي، أخدت نفس عميق. نفس أخير من الضعف. مشيت بخطوات ثابته، هادية، وصوت كعبي على الأرض كان هو الصوت الوحيد المسموع في الصالة. حامد رفع راسه بتفاجؤ لما شافني قربت، ومراته الجديدة ابتسامتها اختفت تدريجياً ولما شافت النظرة اللي في عيني.. نظرة مافيهاش دموع، مافيهاش رجاء، فيها قوة هي عمرها ما شافتها فييا.
وقفت فوق رأسهم مباشرة، وبصيت لحامد في عينيه وقُلت بصوت واطي بس يرن في الصالة كلها: – “ارتاح يا حامد.. كمل لي المنديل والليمون وتدليك الرجلين.. أصل الست هانم تعبانة أوي.” حامد اتوتر وقام وقف بسرعة، حاول يلم الموقف وقال بلعثمة: – “أصل.. أصل يا فاطمة هي رجلها وجعتها فجأة من الحمل و…” قاطعته برقعة إيد، حركة هادية بس خلت الجميع يتسمر في مكانه: – “مش محتاج تبرر يا حامد. أنت عملت الصح.. عملت اللي أصلك ونفسك بيأمروك بيه.”
يلتفت لمراته الجديدة اللي كانت لسة قاعدة حاطة رجل على رجل، وقربت منها خطوة واحدة. هي رجعت بضهرها ورا غصب عنها، كأن هيمنة هدوئي ترعبها أكتر من الزعيق. قُلتلها بنبرة مبتسمة بس أبرد من التلج: – “أنتِ قُلتيلي من شوية إنك لو مكاني كنتِ سبتي القعدة ومشيتي؟ وقُلتي كمان إنك هترجـ,ـعيني خدامة ليكي ولابنك؟” حامد وشه اتخـ,ـطف وبص لمراته بذهول: “أنتِ قُلتي كده؟!” هي ارتبكت وبدأت تتلعثم: “أنا.. أنا كنت بـ…”
قاطعتها وأنا ببتسم: – “لا يا حبيبتي، متخـ,ـافيش، مش هبقى خدامة.. لأن الخدم بياخدوا فلوس، وأنا كرامتي ملهاش ثمن. وأما عن إنك بتقوليلي طلبي الطـ,ـلاق.. فدي الحقيقة الوحيدة اللي قُلتيعا صح في حياتك.” قلعت دبلتي السادة، الدبلة اللي لبستها من خمس سنين وأنا فاكرة إنها رابطة قلبي بقلب راجل يتقي ربنا فييا. مسكتها في إيدي، وبصيت لحامد اللي كان واقف مصدوم، ورميتها في كوباية العصير اللي كان عملها لمراته والمحطوطة على الترابيزة.
الدبلة عملت صوت “رنة” مكتومة جوة الكوباية. قُلت لحامد وأنا ببتسم له بكل ثقة: – “حامد.. الخمس سنين اللي قضيتهم معاك ما كانوش وهم، كانوا درس. وأنا اتعلمت الدرس خلاص. القعدة دي مش قعدتي، والبيت ده مش بيتي، والراجل ده.. مابقاش راجلي. أنت طالق يا حامد.. طالق من قلبي ومن حياتي قبل ما تطقني على الورق.” أسماء أخته صرخت: “يا فاطمة استهدي بالله يا حبيبتي! ما تعمليش في نفسك كده!”
لكن أنا لفيت وضهري للجميع، ومشيت ناحية الباب بخطوات واثقة. حامد جرى ورايا ومسك إيدي عند باب الشقة وهو مشدوه: – “فاطمة! أنتِ رايحة فين؟ أنتِ اتجننتي؟ كبرتي الموضوع ليه؟ أنا معملتش حاجة!” بصيت لإيده الممسكة بإيدي، وبصيت في عينيه وقُلتله بكل هدوء: – “سيب إيدي يا حامد.. إيدك دي يادوب تكفي تمسح بيها جزمة مراتك ورجليها. مش مكانها إيدي أنا.” شدت إيدي بقوة، وفتحت الباب وخرجت. نزلت على السلم وأنا بحس بالهوا النقي بيدخل صدري لأول مرة من سنين. كان جـ,ـرحي ينـ,ـزف، أيوة، بس لأول مرة من خمس سنين بحس إن رأسي مرفوعة فوق.
وبعد مرور 6 أشهر… الحياة ما وقفتش. رجعت بيت أبويا، رفعت قضية طلاق وضمان لكل حقوقي، وبالفعل أخدت كل حقي بالقانون. بدأت أشتغل في مشروعي القديم اللي كنت أهملته عشان خاطر حامد، وفتحت أتيليه صغير لتصميم الأزياء، والنجاح بدأ يضحكلي. وفي يوم.. وأنا قاعدة في الأتيليه بتاعي، دخلت عليا زبونة، اتفاجئت إنها “أسماء” أخت حامد. كانت باين عليها التعب والكسرة. قعدت معايا وقالتلي بأسف: – “سامحيني يا فاطمة.. أنا جيت أطمن عليكِ، وأقولك إن ربنا جابلك حقك لحد عندك.”
بصيتلها بهدوء وسألتها: “خير يا أسماء؟ حامد جرى له حاجة؟” أسماء تنهدت وقالتلي الحقيقة اللي صدمتني: حامد بعد ما طلقت منه، مراته الجديدة اتغيرت معاه 180 درجة. بقت تعامله باستعلاء، ومصنعة المشاكل مع أهله. ولما خلفت.. الجنين طلع ولد، بس للأسف، حامد لما عمل التحاليل والفحوصات الدورية للطفل عشان يطمن عليه، الدكاترة اكتشفوا إن الطفل عنده طفرة جينية ونسبة إعاقة حركة شديدة، والدكتور قال لحامد جملة نزلت عليه زي الصاعقة:
“المشكلة الجينية دي عندك أنت يا حامد من زمان، وهي سبب تأخر الإنجاب عندك، والحيوانات المنـ,ـوية عندك فيها تشـ,ـوهات شديدة.. وحمل مراتك ده كان معجزة من عند ربنا أو طفرة نادرة جدًا مش هتتكرر.” أسماء بصتلي والدموع في عينها وقالت:
– “حامد كان فاكر إن العيب منك أنتِ طول الخمس سنين، واكتشف إن العيب كان منه هو طول الوقت، وأنتِ اللي كنتِ شايلة السر وساكتة وصابرة عشان ما تجرحيش رجولته لما الدكاترة زمان لمحوا للقصة دي وما رضيتيش تفضحيه! مراته الثانية دلوقتِ مقضياها نكد وطلبات، وبتعايره بالولد المريض، وهو قاعد طول الليل يبكي ويفكر فيكي، وعرف إن ربنا حرمه من الحنية والعز بسبب المفـ,ـترية دي، وبسبب إنه كسر خاطرك.” سمعت كلام أسماء، وما حسيتش بشماتة.. حسيت بس بإرتياح شديد إن الحقيقة ظهرت، وإن ربنا ما بيبسيبش حق حد.
أسماء كملت وطلبت مني: “حامد عايز يشوفك يا فاطمة.. عايز يبوس إيدك ورجلك عشان تسامحيه ويرجعك.” ابتسمت ابتسامة هادية، وحطيت إيدي على إيد أسماء وقُلتلها: – “قولي لحامد.. فاطمة اللي كانت بتصبر وتستحمل مـ,ـاتت في عزومة السمك والجمبري. وفاطمة الجديدة مش بترجع لورا أبداً. ربنا يشفي له ابنه، ويهديله حاله.. بس أنا خلاص، قفلت الصفحة دي للأبد.” خرجت أسماء، وقفت قدام مراية الأتيليه، بصيت لوشي اللي رجعت فيه الروح والضحكة، وعرفت إن أكبر انتصار للمرأة مش إنها تنتـ,ـقم.. أكبر انتصار إنها تعرف قيمة نفسها، وتسيب الخـ,ـاين يغرق في أوهامه.